ولهذا يجب أن يعايش المسلم أهله بحذر ويحدد إحساسه بزوجته على أنها متاع زائل، وأنه في حياته مع تلك الزوجة في الدنيا مجرد إعارة عندها من زوجته في الآخرة، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أغضبت المرأة زوجها قالت زوجته في الجنة لا تغضبيه قاتلك الله إنما هو إعارة عندك) .
ونحن لا ننكر أن للإنسان لهفة طبيعية إلى بيته وأهله، وهذا جابر بن عبد الله يخرج في سبيل الله عريسًا ويقاتل ويرجع مع المسلمين منتصرًا، فيلاحظ رسول الله صلى الله عليه وسلم جابرًا وهو يسبق الجيش،
فيسأله عن ذلك، فيقول: يا رسول الله! تزوجت، فإسراع جابر في عودته إلى البيت دليل على هذا الإحساس الفطري بحب العودة إلى الأهل والبيت، ولكن هذا الإحساس لم يتمثل عمليًا إلا في الإسراع قليلًا في العودة، ولم يكن مانعًا من الخروج في سبيل الله أصلًا.
وحتى لهفة العودة بعد الخروج في سبيل الله كان لها المعالجة النفسية التي تمنع خطرها، وهي سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ركعتين بعد الرجوع من السفر وقبل الدخول في البيت، فهاتان الركعتان ترجعان بالمسلم إلى إحساسه الصحيح تجاه بيته وأهله حتى لا يصل إحساس اللهفة بالإنسان إلى إحساس الرضا بالمسكن الذي تحذر منه الآية.
وكذلك سنة دعاء العودة الذي يربط الإحساس بالرجوع إلى البيت والعبودية لله (آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون) . وعند هذا الحد يكون قد تلاشى الإحساس بالمسكن على أنه موضع الاستقرار الذي قد ينازع المسلم في تجرده وكفاحه.
ثم نأتي إلى أهم أسباب حماية البيت وأسباب الحماية من خطر البيت معًا، وهي تحقيق العبودية لله في حياة الزوجين.
حيث يجب أن يملأ معني العبودية لله طبيعة العلاقة بين الزوج والزوجة، ومن هذا التفسير قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (التوبة: 71) . حيث جاء في تفسيرها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى أيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّت وأيقظت زوجها، فإن أبي نضحت في وجهه الماء) .
وكذلك قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} (الأحزاب: 35) . ورد في تفسيرها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصلَّيا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات) .
ولعلنا نلاحظ في بقية الآية: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (التوبة: 71) أن الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي المقتضي الآخر للولاية بعد العبودية، وهو قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (آل عمران: 110) .
غير أن هناك أسلوبا نهائيًا يحقق التجرد المطلق للمسلم من دنياه، وهو أن يدخل البيت ذاته مجال الكفاح المسلح مباشرة، وتأخذ الأسرة مقعدها للقتال، وهذا ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته عندما كانوا يأخذون زوجاتهم معهم في غزواتهم المتتالية، فما تكاد تنتهي غزوة حتى تبدأ الأخرى.
ويصور لنا القرآن الكريم مدى قرب البيت من ميدان الكفاح المسلح، فيقول سبحانه وتعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران: 121) .
فنرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدو من أهله فيبوئ المؤمنين مقاعد القتال، فنشعر بمدى قرب البيت والأهل من الميدان ومواقع القتال.