وهذا السلوك هو الذي يحقق إرادة الخروج، لأن التأخير ولو لحظة عن الخروج عند الضرورة هو الذي يسبب القعود، وهذا موقف وضحت فيه آثار التأخير عن الخروج، وهو موقف كعب ابن مالك، حيث لم يكن ينقصه نية الخروج ولا إمكانياته، لكنه وهو واثق بإمكانية اللحاق بالجيش لم يتمكن من ذلك وكان من المخلفين، وعندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه في الميدان كان رد أحد الصحابة يوضح كيف كان الانتباه إلى هذا الأمر، وكيف كانت دقه التصور عنه، إذ قال: (يا رسول الله، شغله برديه، والنظر في عطفيه) [1] ، فإن نظرة من الإنسان إلى حياته بإعجاب أو لحظه أمل في الدنيا من الممكن أن تسبب قعوده، ولذلك كان الأمر بأن يعتزل كعب امرأته تربية له، إما الصاحبيان اللذان تخلفا مع كعب طلبًا من رسول الله بقاء زوجاتهما في البيت لخدمتهما فأذن لهما دون معاشرتهن.
وهذا يعني أن مشاعر العلاقة الاجتماعية الكامنة في كيان الإنسان بطبعه الاجتماعي لابد أن تخضع لمقتضيات الدعوة.
فعندما كانت المقاطعة في قصة كعب أمرًا واجبًا كان توجيه تلك المشاعر نحو الزوجة أمرًا ضروريًا كمقدمة للمقاطعة الكاملة.
ولكن عندما يكون قيام العلاقة الاجتماعية بين المسلم والمسلمين في الوضع الطبيعي أمرًا واجبًا - كضرورة للدعوة - يكون الحذر من التقصير في قيام تلك العلاقة الاجتماعية الواجبة، وتوجيه تلك المشاعر نحو العلاقة الزوجية، لأن هذا ينشئ انفصالًا بين الفرد والجماعة ويسبب الركون إلى الزوجة.
وهذا موقف آخر يعطينا نموذجًا لإرادة الخروج والحذر من التأخر، وهو موقف (حنظلة بن أبي عامر) الذي يسمع نداء الجهاد (أن يا خيل الله اركبي) ، وهو يغتسل من الجنابة فلا يتم الاغتسال ويخرج ونتتبعه من لحظة خروجه، فتراه يصل إلى قمة التضحية، حيث استُشهد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيت الملائكة تغسله) [2] .
وتبرز حقيقة عظيمة من موقف حنظلة وهي أن تحقُّق قمة التضحية لن يكون إلا من منطلق التجرد الكامل.
أما في لحظات وجود الإنسان في بيته فيجب أن يكون منشغلًا عقلًا ووجدانًا بدعوته، وما حدث من عمر بن الخطاب يوضح هذه الضرورة، فقد كان لعمر بن الخطاب جار يتناوب معه النزول إلى المدينة والإتيان بأخبار الدعوة، حيث كان عمر يسكن أعالي المدينة مع هذا الجار فحدثت المفارقة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين نسائه، فجاء الرجل إلى عمر، وناداه من خلف الباب: أنْ يا عمر لقد حدث شيء جلل، فقال عمر: أجاءت غسان؟ - وغسان هذه كانت قبيلة متحالفة مع الروم ضد رسول الله - فقال الرجل: لا)، فتشعر من توقع عمر مدى انشغاله بأمور الدعوة في لحظات وجوده ببيته [3] .
وهذه لحظات حزن وفزع يعيشها حنظلة عندما يظن أنه انشغل عن أخوته، وهو في بيته فيخرج باكيًا فيراه أبو بكر، فيقول له: ما الذي يبكيك يا حنظلة؟ فيقول له: نافق حنظلة. فقال أبو بكر: كيف؟ قال: نكون مع رسول الله نذكر الآخرة فإذا عدنا إلى بيوتنا لاعبنا أولادنا، فقال أبو بكر: والله أنا مثلك، وذهب الاثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكيان ذلك.
(1) قصة كعب أخرجها البخاري (113/ 8) في المغازي، ومسلم رقم (2769) من حديث كعب بن مالك نفسه.
(2) أخرجه الحاكم وصححه علي شرط مسلم.
(3) هذا الجار هو: عتبان بن مالك كما جزم به القسطلاني، والقصة أخرجها البخاري في مواضع من صحيحه منها في (العلم) (185/ 1) .