الصفحة 30 من 64

وكذلك فان إحساس الغيرة والدفاع عن العرض كان الإمكانية الأولى لحماية الدعوة؛ إذا إن الولاء الحركي نشأ ارتكازا على طبيعة الغيرة والدفاع عن العرض، ولهذا كان نص البيعة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار هو قوله: (أن تحموني مما تحمون منه نساءكم وأموالكم) [1] ، وتبقى طبيعة الغيرة الإنسانية على العرض طاقة مستمرة لحماية الدعوة حتى تصبح الغيرة على الدين قرينة الغيرة على العرض، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) [2] .

والعلاقة الزوجية تغرس في نفس الإنسان صفة أخلاقية مهمة تعتبر الأساس الأول في الالتزام بالجماعة المسلمة، وتلك الصفة هي الارتفاع بمستوى الالتزام بالجماعة فوق مستوى الانفعال النفسي، وذلك لأن العلاقة الزوجية هي التي تحقق في الطبيعة الإنسانية صفة الاتزان السلوكي؛ لأن ثبات العلاقة الزوجية دون التأثير بالانفعالات النفسية قاعدة قرآنية، إذ يقول الله عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرا} (النساء: 19) .

ولذلك يقول الإمام ابن القيم [3] في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216) . وقوله عز وجل: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء: 19) .

(فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية، والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية، فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه، وهذا المكروه خير له في معاشه ومعادة، ويحب المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه، ويحب المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها شر كبير لا يعرفه، فالإنسان كما وصفه به خالقه(ظلوم جهول) فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه، بل المعيار على ذلك ما اختاره له بأمره ونهيه).

وهذا هو المطلوب في علاقة الرجل بالجماعة؛ إذا إن الالتزام بالجماعة المسلمة لن يكون صحيحا إلا إذا ارتفع فوق الظروف النفسية، ومن هنا كانت البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره.

كما أن العلاقة الزوجية هي أكبر أسس الالتزام في الدعوة الإسلامية من الناحية التنظيمية، وذلك لأن ولاء الزوجة للجماعة يكون من خلال علاقتها بزوجها وقوامته عليها؛ إذ إن علاقة الزوجة بزوجها هي علاقة سمع وطاعة، وعلاقة الزوج بالجماعة المسلمة هي أيضا علاقة سمع وطاعة، ولهذا لم تكن هناك بيعة مباشرة لأي امرأة في الجماعة المسلمة، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبايع النساء إلا بيعة عامة.

(1) أخرجه أحمد في المسند (322/ 3) من طريق أبي الزبير عن جابر في حديث طويل وفيه (وعلي أن تنصروني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم ... ) ، وسنده حسن وعند البيهقي في السنن (9/ 9) التصريح بالتحديث عن جابر: أن جابرًا حدثه. و الحديث صححه الحاكم (624 - 625/ 2) ، ووافقه الذهبي وجوده ابن كثير في النهاية (3/ 160) .

(2) متفق عليه: والبخاري في الإيمان (126/ 1) ، ومسلم رقم (1599) عن النعمان بن بشير.

(3) طريق الهجرتين وباب السعادتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت