الصفحة 31 من 64

كما أنه ليس هناك ولاء مباشرة بين امرأة وأخرى؛ لأن المرأة في الدعوة لا تتولى الأمور، والدليل هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) [1] .

والقاعدة في العلاقة بصفة عامة أن الرجال ولاة النساء، والله يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (التوبة: 71) : آي أن المؤمنين أولياء المؤمنات.

ومن هنا كانت هناك قاعدة مهمة تتعلق بالعلاقة التنظيمية بين الأسرة والجماعة، وهي أنه لا يجوز للجماعة أن تتدخل في واقع الأسرة إلا من خلال الزوج - صاحب تلك الآسرة - بدليل إن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أراد آن يجعل النساء يخرجن إلى المساجد لم يصدر آمرا مباشرا إليهن بذلك، ولكنه آمر النساء ألا يخرجن بدون إذن الأزواج، فقال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج من بيتها بدون إذن زوجها) [2] ، ثم أمر الرجال بألا يمنعن النساء من المساجد، فقال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) [3] .

والملاحظة في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر النساء بوصفهن إماء الله حتى يكون منطقيا ألا يمنعن عن مساجد الله، وذلك لكي لا يطغى إحساس الرجل بالمرأة التي تحب عليها طاعته على إحساسه بها كأمة لله تريد عبادة الله.

وهناك مثال تطبيقي لتلك القاعدة التنظيمية التي تحدد العلاقة بين الأسرة والجماعة من خلال قوامة الرجل على زوجته وولائه للجماعة، وهذا المثال هو حادثة كعب بن مالك عندما تخلف عن غزوة تبوك، حيث أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقاطعه المسلمون فأصدر أمره إلى المسلمين بمقاطعته، ولكن عندما أراد صلى الله عليه وسلم أن تقاطعه زوجته لم يأمرها هي يذلك، بل أمره هو أن يقاطعها، فأمر كعب زوجته أن تذهب إلى أهلها، وتصرف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب يثبت هذه القاعدة المحددة للعلاقة التنظيمية بين الأسرة والجماعة.

وإذا كان الزواج بتصور الحركة الإسلامية يمثل طاقة للامتداد بقضايا الدعوة، وامكانية أساسية لحماية الدين باعتبار الربط بين الغيرة على العرض والدين، أساسا في تحقيق الالتزام بالجماعة من الناحية النفسية والتنظيمية، فان إطار الحركة هو إطار العمق النهائي في المشاعر الزوجية وصدقها، باعتبار وحدة الموقف والهدف بين الزوجين كأصحاب دعوة يعيشان واقعا واحدا يحيط به الخطر من كل ناحية، ويذلك يأخذ البيت استمرارية هدف الدعوة وارتفاعه، وتأخذ العلاقة الزوجية عمق الارتباط الفكري الذي قامت عليه الجماعة المسلمة.

ونواصل بحث آثار البيت في الفكر والحركة، فنأتي إلى الإحساس بالأبوة وأثره في الاعتقاد والحركة ونبدأ بناحية الاعتقاد.

(1) البخاري في التفسير (126/ 8) من حديث أبي بكرة.

(2) أخرجه أبو داود الطيالسي (263/ 2) بلفظ ( ... وأن لا تخرج من بيته إلا بإذنه ... ) من طريق الليث عن عطاء عن ابن عمر، وأخرجه البزار (177/ 2) كشف بلفظ ( ... ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه ... ) من طريق حنش الرحبى عن عكرمة عن ابن عباس، ولهما شاهد عند الطبراني في الكبير (62/ 20) من طريق السكسكي عن معاذ ولفظه: ولا يحل لامرأة أن تأذن في بيت زوجها إلا بإذنه ولا تخرج وهو كاره. قال الهيثمي (313/ 4) : رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.

(3) البخاري في (الصلاة) (382/ 2) ومسلم (442) في (الصلاة) من حديث ابن عمر بلفظ آخر. واللفظ المذكور لأبي داود كما في سنته (273/ 2) من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت