فالإحساس بالوالدين يعمق في الإنسان والإحساس بالعبودية لله سبحانه إذ إن العبودية في حقيقتها هي الخضوع لله والإحساس بسلطانه علينا؛ ولذلك فان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يقر بعبوديته لله فانه يقر كذلك بعبودية والديه ليزداد الإحساس بالعبودية عمقا، فيقول: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك) [1] .
فيتضح من الحديث كيف أن الإحساس بسلطان الله - الذي عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (ناصيتي بيدك ماض في حكمك) - بدأ بإقراره بعبودية والديه.
ومن هنا كان الإحساس بالوالدين حماية للإنسان من فقدان الإحساس بسلطان الله علينا، حيث إن فقدان هذا الإحساس هو سبب الجبروت والشقاوة والعصيان؛ ولهذا يقول الله سبحانه على لسان عيسى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} (مريم: 32) ، وعن يحيى؛ {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} (مريم: 14) ، كما كان ذكر عيسى عليه السلام دائما بقول الله: {عيسى ابن مريم} من أساليب الإثبات لعبوديته، غير أن هناك موفقا أقوى تأكيدا لقيمة الإحساس بالوالدين كحماية من الغرور، وهو موقف يوسف عليه الصلاة والسلام في لحظة التمكين عندما سجد له اخوته، فكانت معالجة هذا الموقف أن يوسف رفع أبويه على العرش؛ ليشعر بسلطان الله عليه، وعبوديته له، ومن هنا كان الإحساس بالوالدين ملازما لعبوديتنا لله في قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (الإسراء: 23) ، وكان معنى الشكر للوالدين ملازما لمعنى الشكر لله في قوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان: 14) .
وما سبق يبين أثر الإحساس بالوالدين في الاعتقاد.
وندخل في مجال الحركة حيث يغرس هذا الإحساس في نفس الداعية خوفا وقلقا على الإنسان الذي يدعوه؛ ولهذا يصور الله سبحانه مدى حرص الذين يعلمون الحق على الذين لا يعلمون في صورة اللذين يدعوان ولدهما إلى الإيمان: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} (الأحقاف: 17) .
وعلاقة الأبناء تغرس في النفوس الإحساس السليم بالسلطة، فان كانت سلطة شرعية ممثلة في والدين مؤمنين وجب الخضوع لهما وطاعتهما، وان كانا غير ذلك وجب الخروج عليهما؛ لأن الله يقول: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان: 15) ، وبذلك يصبح للوالدين الأثر الكبير في شخصية الفرد وعلاقته بالسلطة، فيصبح الخروج على السلطة أو الخضوع لها بمقياس واحد هو مقياس الشريعة؛ ليتفادى الإنسان عقدة التمرد على السلطة بالباطل أو الخضوع لها بدون حق. وهذا هو أساس الدعوة وغايتها.
(1) صحيح: أخرجه الإمام أحمد (391/ 1) والحاكم (509/ 1) ، وابن حبان (3272) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وهو المعروف بدعاء الهمّ.