الصفحة 4 من 194

إن الظروف التي مرت بها أوربا وأنتجت الانفصام بين العلم والدين ، هي ظروف خاصة بأوربا وحدها ، وليست ظروفا عالمية ؛ والمعايير التي أنشأتها تلك الظروف هي كذلك معايير محلية خاصة ، ليس لها صفة العموم ، ولا صفة اللزوم . ليست معايير"إنسانية"كما يحلو لأوربا أن تتصورها ، بدافع الغرور الذي أنشأه النجاح الحاضر للغرب ، الذي جعله يتوهم أن الغرب هو العالم ! وأن معاييره يجب أن تخضع لها البشرية كافة ، وأن من اختلف عنها فهو المخطئ الذي ينبغي أن يعدّل موقفه ، وينقاد إلى"المعيار الصحيح"!

أما نحن فنقول إن الظروف التي مر بها الغرب ، وأنشأت له معاييره الخاصة ، ليست هي ظروفنا التي عشناها في ظل الإسلام ، سواء في فترة ازدهار الإسلام ، وازدهار الحضارة الإسلامية والحركة العلمية الإسلامية ، أو في ظل الانحسار الذي طرأ على العالم الإسلامي حتى أوصل الأمة إلى حضيضها الذي وصلت إاليه ، فصارت كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم"غثاء كغثاء السيل"، أو في ظل الصحوة الإسلامية المباركة التي تبشر بالخير ، رغم تكالب العالم كله على محاولة القضاء عليها .

في جميع هذه الأحوال الثلاثة كانت ظروفنا مختلفة عن ظروف الغرب ، فلا عجب أن تكون معاييرنا مختلفة عن معايير الغرب ، وأن يكون تناولنا للعلوم الاجتماعية - وغيرها كذلك - مختلفا عن التناول الغربي في أسسه وقواعده ، وإن التقى معه في بعض الجزئيات ، أو حتى في كثير من الجزئيات التي تتخذ صورة أبحاث معملية وتجريبية . ذلك أن الخلاف الجوهري ليس في إجراء التجارب المعملية ورصد نتائجها ، إنما هو في تفسير الظواهر الاجتماعية وتأصيلها ، المستمد أساسا من تصورنا للكيان الإنساني ، ولغاية الوجود الإنساني .. وهنا يقع الخلاف ، وهنا يكمن الدافع إلى ضرورة التأصيل الإسلامي لهذه العلوم !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت