إنما يكون المسلك العلمي الصحيح أن نرصد الظاهرة خلال الأجيال ، في آلاف السنين التي نملك عنها بيانا نطمئن إلى صحته ، ثم نقرر شذوذ هذا الجيل عن سلسلة الأجيال قبله ، ثم نحاول أن نرصد أسباب هذا الشذوذ في واقعنا المعاصر ، لنعلم إن كان شيئا عارضا قابلا للزوال ، أم إنه تحول في الفطرة البشرية ذاتها خرج بها عن خطها إلى خط جديد ..
وإذا فعلنا ذلك فسيتضح لنا أن"الفتوى"التي أصدرها دوركايم ، ونفى فيها أن يكون الدين والزواج والأسرة أشياء من الفطرة ، هي - على أقل تقدير - قتوى ينقصها الدليل العلمي (1) !
المزلق الثاني الذي يقع فيه بعض المؤلفين في العلوم الاجتماعية - والذي يجب أن يتجنبه الكاتب المسلم - هو الدعوى التي تقول إن البحث العلمي يجب أن يكون"واقعيا"لا يتعلق"بالمثاليات"، أي أنه يجب أن يتعامل مع ما هو كائن لا مع ما ينبغي أن يكون !
إن هذا المنطلق يصح في حالة واحدة ، هي أن يكون"ما يجب أن يكون"غير قابل - في ذاته - للتطبيق ، لمخالفته للفطرة البشرية ، أو لكونه خارج حدود قدرة الإنسان . فأما إن كان مما يقدر الناس عليه ، ومما طبق بالفعل في فترة معقولة من الزمن ، فلا تقبل دعوى"الواقعية"في عدم التعامل معه ، ولو انحرف الناس عنه ، بل ولو كان أكثر الناس منحرفين عنه . فالقضية هنا لا تتعلق بالواقعية أو عدمها ، إنما تتعلق بالمرجعية: هل هي للإنسان أم هي لخالق الإنسان !
وهذا المزلق بالذات هو من أشد المزالق التي يقع فيها الغرب في دراساته الاجتماعية ، منذ خروجه من"الربانية"الكنسية إلى"الإنسانية"المتمردة على سطان الله . فإذا اعتبر الإنسان هو المرجع أصبح الهبوط والانحراف أصلا لأنه هو الغالب على الناس في جاهليتهم ، وأصبح التسامي والارتفاع شذوذا لا يؤبه به لقلته وقلة تأثيره في المجموع .
(1) سنتكلم عن هذه القضية بشيء من التفصيل فيما بعد .