الصفحة 98 من 194

ولكن المسلم مرجعيته هي ما جاء من عند الله ، وليس"واقع"الناس .

وحين يضع الله حدا من الحدود ويجعله ملزما للناس ، فهو بالنسبة للمسلم ملزم ولو عصاه الناس أجمعون !

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (1) .

وهو ملزم باعتبارين اثنين في آن واحد .

الاعتبار الأول أنه منزل من عند الله الخالق ، الذي له الأمر بمقتضى كونه هو الخالق سبحانه:

( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (2) .

والاعتبار الثاني أنه منزل من عند الله العليم الحكيم ، الذي يعلم حقيقة الإنسان الذي خلقه ، وحقيقة قدراته ، فيكلفه ما يعلم سبحانه أن فيه صلاحه ، وما يعلم أنه في مقدوره:

( .. قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (3) .

( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (4) .

ومن ثم فكل التكاليف التي كلف الله بها الإنسان ملزمة له بهذه الاعتبارات ، وهي الأصل الذي يجب أن يكون عليه الإنسان . وحين ينحرف عنه يكون انحرافه في خانة"الخطأ"لا في خانة"الواقع"، ولو وقع في الخطأ كل الناس ! .. فإن كثرة الخطأ وعمومه لا تنفي عنه صفته ، ولا تعطيه شرعية الوجود .

ولكن حين يكون هذا الواجب الملزم قد طبق بالفعل لا في أفراد متناثرين بل في أجيال ، ولقرون عدة متوالية - كما وقع التطبيق على يد الأمة الإسلامية في واقعها التاريخي على الرغم من كل انحرافاتها - فإن الواجب عندئذ يكون أشد إلزاما ، وأوجب في التنفيذ ، وأوجب في اعتباره هو الأصل ، وإن عصاه من عصاه !

(1) سورة النساء [ 64 ] .

(2) سورة الأعراف [ 54 ] .

(3) سورة المائدة [ 15 - 16 ] .

(4) سورة البقرة [ 286 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت