وهل جاء الإسلام إلا ليرفع الناس عن الهبوط ، ويضع لهم القيم الحقيقة التي يصبحون بها آدميين ؟"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"لا أغناكم ولا أقواكم ولا أكثركم سلطانًا . وحين ترتفع القيم البشرية إلى هذا المستوى لا يكون هناك مجال لازدراء المرأة لضعفها ، بل يكون مقياس الإنسانية هو حسن معاملة الرجل للمرأة وهو المقياس الذي وضعه الرسول صراحة حين قال:"خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" (1) يقصد زوجته بتعبير العرب . وكان بهذه الكلمات ، صلى الله عليه وسلم ، عميق الإدراك لحقائق النفوس ، فما يعامل أحد إنسانًا تحت كفالته بالسوء إلا وفي نفسه عقد واضطربات تهبط به في مقياس الآدميين .
آلهبوط إلى عالم الغرائز ؟ !
ومتى أباح الإسلام للناس أن يعيشوا على غرائزهم بغير تهذيب ؟ إنه يعترف بها اعترافًا صريحًا . نعم . ولكنه لا يسايرها في هبوطها ولا يقبل أن تستبد بالناس حتى تصبح هي الكوة التي ينظرون منها إلى الحياة .
وليس إلزامه للمرأة والرجل أن يقوم كل منهما بقضاء حاجة الآخر هبوطًا بالإنسان إلى مستوى الغريزة . وإنما يقصد الإسلام من ذلك إلى إطلاق الناس من ضروراتهم ، فلا تشغل هذه الضرورات بالهم وأعصابهم ، فتمنعهم من توجيه طاقتهم إلى ميادين الإنتاج العليا ، سواء في عمل أو فن أو عبادة ، أو تلجئهم إلى الجريمة حين يتعذر إشباعها بالطريق المشروع . ولكنه لم يدع الناس قط إلى أن تستغرقهم شهواتهم ويشغلهم الاستمتاع بها عن الحياة الإنسانية الرفيعة ، فشغل الرجل بالجهاد في سبيل الله ، جهادًا دائمًا لا ينقطع ، وشغل المرأة بالجهاد في تربية أطفالها ورعاية منزلها ، حتى تصبح لكليهما أهداف لا تقف عند حدود الضرورات والشهوات .
أم سوء التربية ؟ !
(1) رواه الترمذي .