الصفحة 148 من 218

لا ريب على أي حال في أن كلتا النظرتين تشتمل على شيء من الحق وشيء من المبالغة . فالظروف المحيطة بالفرد ذات أثر بعيد في تكوينه ، والعقد اللاشعورية تدفع أحيانًا إلى الجريمة . ولكن الإنسان مع ذلك ليس كائنًا سلبيًا بحتًا بإزاء الظروف . إن عيب المحللين النفسين أنهم - بطبيعة عملهم - ينظرون إلى الطاقة المحركة في الإنسان - إلى"الدينامو"- ولا ينظرون إلى الطاقة الضابطة - إلى الفرامل - مع انها جزء أصيل من كيان النفس البشرية غير مفروض عليها من الخارج . إن الطاقة التي تجعل الطفل يضبط إفرازاته فلا يتبول في فراشه بعد سن معينة - حتى ولو لم يدربه أحد - لهي ذاتها - أو شبيهة بها - الطاقة التي تضبط انفعالاته وتصرفاته فلا ينساق دائمًا وراء الشهوة الجامحة أو وراء النزوة الطارئة .

ومن جانب آخر فإن الظروف الاقتصادية ذات أثر في تكوين مشاعر الأفراد وأعمالهم. والجوع يدفع إلى الجريمة كما يدفع إلى السقوط الخلقي ، بما يفكك من كيان النفس وما ينمي فيها من الأحقاد . ولكن القول بأن العامل الاقتصادي هو الوحيد الذي يؤثر في سلوك البشر قول مبالغ فيه تكذبه وقائع الحياة ، ويكذبه قيام الجرائم في الاتحاد السوفييتي ذاته الذي يقول دعاته إنه قضى على الفقر والجوع .

بقي أن نسأل: ما مدى مسئولية المجرم إذن عن جريمته ، لكي نوقع - أو لا نوقع - عليه العقوبات ؟

ومن هذا الجانب يأخذ الإسلام مسألة الجريمة والعقاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت