الصفحة 154 من 218

ولكن الإسلام لم يكتف بهذا العمل الجبار في داخل النفوس . وهو العملية الحقيقية التي تستأهل الجهد وتستحق التسجيل ، لأنها الهدف الأخير من كل المدنيات والحضارات .. لم يكتف الإسلام بهذا التهذيب العميق للأفكار والمشاعر ، بل ضم إليه كل مظاهر المدنية التي يهتم بها الناس اليوم ويحسبونها لباب الحياة ، فتبنّى كل الحضارات التي وجدها في البلاد المفتوحة في مصر وفارس وبلاد الروم ، ما دامت لا تخالف عقيدته في وحدانية الله ولا تصرف الناس عن الخير الواجب لعباد الله . ثم تبنّى كل الحركة العلمية التي كانت لدى اليونان من طب وفلك ورياضة وطبيعة وكيمياء وفلسفة ، ثم أضاف إليها صفحات جديدة تشهد بتعمق المسلمين في البحث ، واشتغالهم الجدي بالعلم ، حتى كانت خلاصة ذلك كله في الأندلس هي التي قامت عليها نهضة أوربا الحديثة وفتوحاتها في العلم والاختراع .

فمتى ؟ متى وقف الإسلام في وجه حضارة نافعة للناس ؟

أما موقف الإسلام من الحضارة الغربية السائدة اليوم فهو موقفه من كل حضارة سابقة. يتقبل كل ما تستطيع أن تمنحه من خير ، ويرفض ما فيها من شرور . فهو لا يدعو - ولم يدع قط - إلى عزلة علمية أو مادية ، ولا يعادي الحضارات الأخرى معاداة شخصية أو عنصرية ، لإيمانه بوحدة البشرية واتصال الوشائج بين البشر من جميع الأجناس وجميع الاتجاهات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت