صحيح أنه لا يبيح للناس أن ينساقوا مع هذه الشهوات إلى المدى الذي يصبحون فيه مستعبدين لها ، لا يملكون أمرهم منها . فالحياة لا تستقيم بهذا الوضع . والبشرية لا تستطيع أن تحقق طبيعتها التي تهدف إلى التطور الدائم نحو الارتفاع ، إذا هي ظلت عاكفة على ملذاتها تستنفد فيها كل طاقتها ، وتتعود فيها على الهبوط والانتكاس نحو الحيوانية .
نعم لا يبيح الإسلام للناس أن يهبطوا لعالم الحيوان . ولكن هناك فرقًا هائلًا بين هذا وبين الكبت اللاشعوري ، بمعنى استقذار هذه الشهوات في ذاتها ، ومحاولة الامتناع عن الإحساس بها رغبة في التطهر والارتفاع .
وطريقة الإسلام في معاملة النفس الإنسانية هي الاعتراف بالدوافع الفطرية كلها من حيث المبدأ وعدم كبتها في اللاشعور ، ثم إباحة التنفيذ العملي لها في الحدود التي تعطي قسطًا معقولًا من المتاع ، وتمنع وقوع الضرر سواء على فرد بعينه أو على المجموع كله .
والضرر الذي يحدث للفرد من استغراقه في الشهوات ، هو إفناء طاقته الحيوية قبل موعدها الطبيعي ، واستعباد الشهوات له بحيث تصبح شغله الشاغل وهمه المقعد المقيم ، فتصبح بعد فترة عذابًا دائمًا لا يهدأ ، وجوعة دائمة لا تشبع ولا تستقر .
أما الضرر الذي يحدث للمجتمع فهو استنفاد الطاقة الحيوية التي خلقها الله لأهداف شتى، في هدف واحد قريب ، وإهمال الأهداف الأخرى الجديرة بالتحقيق . فضلًا عن تحطيم كيان الأسرة ، وفك روابط المجتمع ، وتحويله إلى جماعات متفرقة لا يجمعها رابط ولا هدف مشترك:"تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى"مما يسهل على غيرهم غزوهم وتحطيمهم كما حدث لفرنسا .