وليست هذه الدعوة إلى ضبط الشهوات تحكمًا يقصد به الإسلام حرمان الناس من المتاع . فهذا هو التاريخ في الإسلام وفي غير الإسلام يقرر أنه ما من أُمة استطاعت أن تحافظ على كيانها وهي عاجزة عن ضبط شهواتها ، والامتناع بإرادتها عن بعض المتاع المباح . كما يقرر من الجانب الآخر أنه ما من أُمة ثبتت في الصراع الدولي إلا كان أهلها مدربين على احتمال المشقات ، قادرين على إرجاء ملذاتهم - أو تعليقها - حين تقتضي الضرورة ساعات أو أيامًا أو سنوات .
ومن هنا كانت حكمة الصوم في الإسلام .
والمتحللون اليوم من التقدميين والتقدميات ، يحسبون أنفسهم قد اكتشفوا حقيقة هائلة حين يقولون: ما هذا السخف الذي يدعو إلي تعذيب الأبدان بالجوع والعطش ، وحرمان النفس مما تتوق إليه من طعام وشراب ومتاع .. في سبيل لا شيء ، وإطاعة لأوامر تحكمية لا حكمة لها ولا غاية ؟
ولكن .. ما الإنسان بلا ضوابط ؟ وكيف يصبح إنسانًا وهو لا يطيق الامتناع سويعات عما يريد ؟ وكيف يصبر على جهاد الشر في الأرض ، وهذا الجهاد يتطلب منه حرمان نفسه من كثير ؟
وهل كان الشيوعيون - الذين يسخر دعاتهم في الشرق الإسلامي بالصيام وغيره من"الضوابط"التي تدرب النفوس - هل كانوا يستطيعون الصمود كما صمدوا في ستالنجراد ، لو انهم لم يدربوا على احتمال المشقات العنيفة التي تعذب الأبدان والنفوس ، أم إنهم"يحلّونه عامًا ويحرمونه عامًا"؟ يحلّونه حين يصدر الأمر به من"الدولة"لأنها سلطة مرئية تملك العقاب السريع ، ويحرمونه - هو ذاته - حين يصدر الأمر به من الله خالق الدول والأحياء !