وأنا مقتنع أشد الاقتناع بأن جريمة رجال الدين هؤلاء أكبر وأفحش من جريمة الفساق من الشعراء والكتاب والصحفيين المرتزقين ، لأن في أيديهم كتاب الله، وهم يتلون آياته ، ويعرفون حقيقة الدين ، وحقيقة موقفهم وهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا وما يأكلون في بطونهم إلا النار ، ولكني أعود فأكرر أنه ليس في الإسلام رجال دين . وأن كل ما يقولونه ليس حجة على الإسلام . وأن مصيبة هذا الشعب جاءته من الجهل بحقيقة دينه - وليس الجهل من أوامر الإسلام للناس ! - وأنه يكفي لدحض تهمة التخدير عن الدين الإسلامي أن الحركة التي ثارت ضد الطاغية هي في حقيقتها الحركة الدينية ، التي أحس الملك السابق خطرها على وجوده فقتل داعيتها وفتح المعتقلات لكتم أنفاسها قبل أن تقضي عليه . ولكن الله أراد غير ما كان يريد .
يكفي هذا لدحض الشبهة الجاهلة . كما يكفي كذلك أن نذكر أن جميع الحركات التحريرية في الشرق الإسلامي كانت من وحي الدين . حركة الشعب المصري ضد الاحتلال الفرنسي كانت حركة علماء الدين . والثورة على ظلم محمد علي كان رائدها السيد عمر مكرم الزعيم الديني .
والثورة على الإنجليز في السودان كان زعيمها المهدي الكبير وهو زعيم ديني . والثورة على الطليان في ليبيا ، وعلى الفرنسيين في المغرب كلها حركات دينية . وثورة الإندونيسيين على هولندا كانت ثورة باسم الدين وعلى أساس الدين .
في كل مكان ثورة تشهد بأن هذا الدين قوة تحريرية . لا دعوة للاستخذاء والرضى بالظلم والهوان . ولكنا لا نكتفي بهذه الحقيقة الواقعة الواضحة الدلالة ، بل نمضي في مناقشة الشبهة الجاهلة التي تتعلق بتخدير الكادحين عن طلب العدالة الاجتماعية والتوزيع الاقتصادي العادل ، وهي أهم ما تلوكه ألسنة الشيوعيين .