ويحدث أن يحبس الأغنياء هذه الأموال ، أو ينفقوها على أنفسهم في صورة ترف وملذات . فإن كان الأولى فهي منكر:"والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" (1) ولا عذاب إلا على منكر لا يرضي الله . وإن كانت الثانية فهي منكر كذلك والآيات التي تحرم الترف كثيرة جدًا في القرآن ، كلها تصم المترفين بالكفر والفسوق:"وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنَّا بما أرسلتم به كافرون (2) "…"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمرناها تدميرًا (3) ".."وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال: في سموم وحميم ، وظل من يحموم ، لا بارد ولا كريم ، إنهم كانوا قبل ذلك مترفين" (4) .
لا يمكن إذن أن ينتج من قعود الناس عن مكافحة الظلم الاجتماعي إلا منكر . فكيف يتهم الإسلام بأنه يدعو الناس إلى الرضا بالمنكر والسكوت عليه ابتغاء مرضاة الله ! والله يقول:"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون" (5) فيجعل السكوت على المنكر وعدم التناهي عنه علامة من علامات الكفر بالله تستوجب غضبه ولعنته وعقابه ؟ ! والرسول يقول:"من رأى منكم منكرًا فليغيره". ويقول:"أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند إمام جائر". ولن تحدث هذه المنكرات في المجتمع ويرضى عنها الحاكم أو يتسبب فيها إلا كان إمامًا جائرً تجب مقاومته جهادًا في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله ؟ !
أي عقل ذلك الذي يجيز فهم الإسلام على أنه يأمر بالرضى عن الظلم والسكوت على الحرمان ، إلا عقل منحرف لا يستطيع أن يفهم ولا يستطيع التخلص من الهوى والشهوات ؟
(1) سورة التوبه [24] .
(2) سورة سبأ [34] .
(3) سورة الاسراء [16] .
(4) سورة الواقعه [41-45] .
(5) سورة المائدة [78-79] .