وهكذا معظم احتجاجنا بعمر ، بوصفه من أبرز المجتهدين في صدر الإسلام وأفهمهم للروح الإسلامية في تصرفاته ، لا بصفته الشخصية الفذة ، وإن كان كلام هؤلاء الكتاب لن يمنعنا أن نكرر التمثل بعمر حتى في تصرفاته الشخصية المثالية التي تطوع فيها بما لم يلزمه به أحد ، ليبقى مثلًا أعلى يحاول المسلمون على مر الأجيال أن يصلوا إليه أو يقتربوا منه . فإن وصلوا فهو الخير لكل البشرية ، وإن لم يقدر لهم ، فبحسبهم تطبيقاته العملية الواقعية يطبقونها ، بدل التسول على أبواب الدول واستمداد دساتيرها وترقيعها لاستخراج"دستور"منها ! !
على أن هناك مغالطة كبرى تزعم أن الإسلام لم يوجد إلا في عهد الخلفاء الراشدين ! وهي شبهة يؤمن بها كثير من المسلمين .
إن الصورة الكاملة للإسلام لم تنفذ بعد الخلفاء الراشدين إلا في فترة خاطفة في عهد عمر بن عبد العزيز . هذا حق . ولكنه لا يعني أن الإسلام قد انتهى بعد ذلك . فقد فسدت الحكومة وحدها فسادًا جزئيًا أو كاملًا . وبقي المجتمع - في غير العاصمة - إسلاميًا حقًا ، يعيش بروح الإسلام المتعاونة المتكافلة ، التي لا تقسم المالكين وغير المالكين إلى أسياد وعبيد ، بل تجعل منهم إخوة مترابطين مشتركين في الجهد وفي الجزاء .
وبقيت الشريعة الإسلامية هي التي تحكم في كل جزء من أجزاء العالم الإسلامي . ولم تقم محاكم خاصة على هوى الإقطاعيين كما حدث في أوربا في نفس الفترة مع التاريخ .
وبقيت التقاليد الإسلامية سارية في حروب الإسلام مع أعدائه ، بما شهد به الصليبيون أنفسهم وخاصة في عهد صلاح الدين .
وبقي وفاء المسلمين بتعهداتهم مضرب المثل بين أمم الأرض
وبقي حب المسلمين للعلم وإخلاصهم للثقافة ، مما جعل العالم الإسلامي في الأندلس وغير الأندلس كعبة المتعلمين في مختلف الفنون .