الصفحة 203 من 218

وفي اختصار بقي الإسلام هو الشعلة المضيئة التي تتعلم منها أوربا ، وتستمد منها النظم ، وتحاول بكل جهدها أن ترتقي إليها ، وإن كانت بعد ذلك قد أدركتها خستها الأصيلة ، فأطفأت شعلة الإسلام في الأندلس ومضت بعد نهضتها المستمدة من الإسلام ، تحاول تحطيمه وتشويه صورته في الآفاق .

ليس الإسلام إذن نظامًا مثاليًا بالمعنى السيء للمثالية . وإنما هو نظام عملي بحت ، طبقته البشرية مرة ، وهي اليوم أقدر على تطبيقه مما كانت قبل ألف وثلثمائة عام ، لأن تجاربها الطويلة قربت ما بينها وبينه من آفاق .

وإنما أولى بتهمة المثالية أن توجه إلى الشيوعية ! فالقوم يقولون إنهم لم يصلوا بعد إلى الشيوعية الحقيقية ، وإنما هم ما يزالون في طور الاشتراكية ، وحين يصل الإنتاج إلى ذروته ، ويتوحد العالم تحت حكومة عالمية موحدة ، فحينذاك تطبق الشيوعية المبنية على اكتفاء البشرية ، وكفها - إلى الأبد - عن الصراع المرذول الموجود اليوم بسبب عدم كفاية الإنتاج!

وهي مثالية لا تتحقق أبدًا لأنها تقوم على عناصر خيالية أو مستحيلة . تقوم على تصور أن البشر يمكن أن يكتفوا في يوم من الأيام ! بينما هم خلقوا هكذا ! لو كفيتهم كل مطالبهم اليوم لقاموا منذ الغد يتطلعون إلى جديد ! وتقوم على تصور أن كفاية الإنتاج - على فرض تحققها - ستبطل الصراع على التميز والبروز ، وأن هذا - لو تم - يكون في صالح البشرية! مع أن البشرية لم تتقدم إلا من طريق الصراع على التميز والبروز !

تلك هي المثالية الحمقاء تنبع من قلب المادية الواقعية ، القائمة على نظريات العلم وحقائقه التجريبية ! !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت