والشيوعيون - مثلًا - يؤمنون بالمادية الجدلية ، وبأن صراع المتناقضات هو وحده العنصر الكامن وراء التطور الاقتصادي والبشري ، من الشيوعية الأولى إلى الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الشيوعية الثانية والأخيرة ، ويقرنون قيام الشيوعية الاقتصادية بصحة هذا المنطق الجدلي ، ويربطون ربطًا"علميًا"بين هذا وذاك . وهذه المادية الجدلية لا مكان فيها لتدخل الله في خط سير البشرية ، ولا مكان للرسل و رسالاتهم . لأن هذه الرسالات - في وهمهم - لا يكن أن تجيء سابقة للتطور الاقتصادي ولا منشئة له ، وإنما هي تجيء فقط في مكانها المرسوم من هذا التطور ، وبهذا تفقد قيمتها التوجيهية من وجهة النظر الإسلامية . وفضلًا عن ذلك فهذه المادية الجدلية التي تحصر أسباب كل التطورات البشرية في تغير وسائل الإنتاج تعجز عن تفسير ظهور الإسلام ذاته . فأي شيء كان قد تغيّر في وسائل الإنتاج في الجزيرة العربية أو في العالم أجمع قبل الإسلام ، فكان من نتيجته بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بنظامه الجديد ؟ !
كيف إذن يمكن التوفيق بين هذه النظرة وتلك ؟ وكيف لا تتأثر عقائد المسلمين الذين يؤمنون برعاية الله لخلقه ، وإرشاده لهم على يد رسله ، وبأن الإسلام لم يكن خاضعًا للضرورات الاقتصادية .. كيف لا تتأثر عقائدهم حين نأخذ بنظام اقتصادي نقول في كل مرحلة من مراحل تطوره إنه يتطور حسب صراع المتناقضات الذي لا مجال فيه لله ، ولا محرك له غير الضرورات الاقتصادية ؟ !
والأمر الثاني: أن الإنسان في عرف الفلسفة الشيوعية كائن سلبي لا إرادة له إزاء قوة المادة وقوة الاقتصاد . يقول كارل ماركس:"في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى عنها . وهي مستقلة عن إرادتهم . ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم ، ولكن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم".