وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أن ندرك حقائق اجتماعية ونفسية وسياسية أحاطت بموضوع الرق ، وجعلت الإسلام يضع المبادئ الكفيلة بتحرير الرقيق ، ويدعها تعمل عملها على المدى الطويل .
يجب أن نذكر أولًا أن الحرية لا تمنح وإنما تؤخذ . وتحرير الرقيق بإصدار مرسوم كما يتخيل البعض لم يكن ليحرر الرقيق ! والتجربة الأمريكية في تحرير الرقيق بجرة قلم على يد أبراهام لنكولن خير شاهد لما نقول ، فالعبيد الذين حررهم لنكولن ـ من الخارج ـ بالتشريع ، لم يطيقوا الحرية ، وعادوا إلى سادتهم يرجونهم أن يقبلوهم عبيدًا لديهم كما كانوا ، لأنهم ـ من الداخل ـ لم يكونوا قد تحرروا بعد .
والمسألة على غرابتها ليست غريبة حين ينظر إليها على ضوء الحقائق النفسية . فالحياة عادة . والملابسات التي يعيش فيها الإنسان هي التي تكيف مشاعره وتصوغ أحاسيسه وأجهزته النفسية (1) . والكيان النفسي للعبد يختلف عن الكيان النفسي للحر ، لا لأنه جنس آخر كما ظن القدماء ، ولكن لأن حياته في ظل العبودية الدائمة جعلت أجهزته النفسية تتكيف بهذه الملابسات ، فتنمو أجهزة الطاعة إلى أقصى حد ، وتضمر أجهزة المسؤولية واحتمال التبعات إلى أقصى حد ..
فالعبد يحسن القيام بكثير من الأمور حين يأمره بها سيده ، فلا يكون عليه إلا الطاعة والتنفيذ . ولكنه لا يحسن شيئًا تقع مسؤوليته على نفسه ، ولو كان أبسط الأشياء ، لا لأن جسمه يعجز عن القيام بها ، ولا لأن فكره - في جميع الأحوال - يعجز عن فهمها ؛ ولكن لأن نفسه لا تطيق احتمال تبعاتها ، فيتخيل فيها أخطارًا موهومة ، ومشكلات لا حل لها ، فيفر منها إبقاء على نفسه من الأخطار !
(1) يقول دعاة المذهب المادي إن الملابسات الخارجية هي التي ( تخلق ) المشاعر . ونحن لا نؤمن بذلك لأن فيه مغالطة صارخة . فهناك رصيد نفسي سابق في وجوده لهذه الملابسات ، والملابسات ( تكيف ) هذا الرصيد ، لكنها لا تخلقه من العدم .