الصفحة 43 من 218

ولعل الذين يمعنون النظر في الحياة المصرية ـ والشرقية ـ في العهود الأخيرة يدركون أثر هذه العبودية الخفية التي وضعها الاستعمار الخبيث في نفوس الشرقيين ليستعبدهم للغرب. يدركونها في المشروعات المعطلة التي لا يعطلها ـ في كثير من الأحيان ـ إلا الجبن عن مواجهة نتائجها ! والمشروعات المدروسة التي لا تنفذها الحكومات حتى تستقدم خبيرًا انجليزيًا أو أمريكيًا (1) .. الخ . ليحتمل عنها مسؤولية المشروع ويصدر الإذن بالتنفيذ ! والشلل المروع الذي يخيم على الموظفين في الدواوين ويقيد إنتاجهم بالروتين المتحجر ، لأن أحدًا من الموظفين لا يستطيع أن يصنع إلا ما يأمره به"السيد"الموظف الكبير ، وهذا بدوره لا يملك إلا إطاعة"السيد"الوزير ، لا لأن هؤلاء جميعًا يعجزون عن العمل ، ولكن لأن جهاز التبعات عندهم معطل وجهاز الطاعة عندهم متضخم ، فهم أشبه شيء بالعبيد ، وإن كانوا رسميًا من الأحرار !

هذا التكيف النفسي للعبد هو الذي يستعبده . وهو ناشىء في أصله من الملابسات الخارجية بطبيعة الحال ، ولكنه يستقل عنها ، ويصبح شيئًا قائمًا بذاته كفرع الشجرة الذي يتدلى إلى الأرض ، ثم يمد جذورًا خاصة به ويستقل عن الأصل . وهذا التكيف النفسي لا يذهب به إعلان تصدره الدولة بإلغاء الرق . بل ينبغي أن يغير من الداخل ، بوضع ملابسات جديدة تكيف المشاعر على نحو آخر ، وتنمي الأجهزة الضامرة في نفس العبد ، وتصنع كيانًا بشريًا سويًا من كيانه المشوه الممسوخ .

وذلك ما صنعه الإسلام

فقد بدأ أولا بالمعاملة الحسنة للرقيق . ولا شيء كحسن المعاملة يعيد توازن النفس المنحرفة ، ويرد إليها اعتبارها ، فتشعر بكيانها الإنساني ، وكرامتها الذاتية ، وحين ذلك تحس طعم الحرية فتتذوقه ، ولا تنفر منه كما نفر عبيد أمريكا المحررون .

(1) أو روسيًا في بعض البلاد الآن !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت