فلما جاء الإسلام أبطل ذلك كله ، وحرم الحروب كلها . إلا أن تكون جهادًا في سبيل الله .. جهادًا لدفع اعتداء عن المسلمين ، أو لتحطيم القوى الباغية التي تفتن الناس عن دينهم بالقهر والعنف . أو لإزالة القوى الضالة التي تقف في سبيل الدعوة وإبلاغها للناس ليروا الحق ويسمعوه .
( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) (1) . ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) (2) .
فهي دعوة سلمية لا تكره أحدًا: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) (3) وبقاء اليهود والمسيحيين في العالم الإسلامي على دينهم حتى اللحظة برهان قاطع لا يقبل الجدل ولا المماحكة ، يثبت أن الإسلام لم يكره غيره على اعتناقه بقوة السيف (4) .
فاذا قبل الناس الإسلام ، واهتدوا إلى دين الحق ، فلا حرب ولا خصومة ولا خضوع من أمة لأمة ، ولا تمييز بين مسلم ومسلم على وجه الأرض ، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى .
فمن أبى الإسلام وأراد أن يحتفظ بعقيدته في ظل النظام الإسلامي - مع إيمان الإسلام بأنه خير من هذه العقيدة وأقوم سبيلًا - فله ذلك دون إكراه ولا ضغط ، على أن يدفع الجزية مقابل حماية الإسلام له ، بحيث تسقط الجزية أو ترد إن عجز المسلمون عن حمايته (5)
(1) سورة البقرة [190] .
(2) سورة الأنفال [39] .
(3) سورة البقرة [256] .
(4) شهد بذلك مسيحي أوربي هو السيرت.و.أرنولد في كتابه ( الدعوة إلى الإسلام ) .
(5) الأمثلة على ذلك كثيرة منها مثالان وردا في كتاب ( الدعوة إلى الإسلام ) :
قال في صفحة 58:"وكذلك حدث أن سجل في المعاهدة التي أبرمها مع بعض أهالي المدن المجاورة للحيرة: فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا"وقال:"فلما علم أبو عبيدة قائد العرب بذلك ( بتجهيز هرقل لمهاجمته ) كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم بأن يردوا عليهم ما جبي من الجزية من هذه المدن ، وكتب إلى الناس يقول:"إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع . وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك . وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا إن نصرنا الله عليهم""