وجاء الإسلام والناس على هذا الحال . ووقعت بينه وبين أعداءه الحروب ، فكان الأسرى المسلمون يسترقون عند أعداء الإسلام ، فتسلب حرياتهم ، ويعامل الرجال منهم بالعسف والظلم الذي كان يجري يومئذ على الرقيق ، وتنتهك أعراض النساء لكل طالب ، يشترك في المرأة الواحدة الرجل وأولاده وأصدقاؤه من يبغي الاستمتاع منهم ، بلا ضابط ولا نظام ، ولا احترام لإنسانية أولئك النساء أبكارًا كن أم غير أبكار . أما الأطفال - إن وقعوا أسرى - فكانوا ينشأون في ذل العبودية البغيض .
عندئذ لم يكن جديرًا بالمسلمين أن يطلقوا سراح من يقع في أيديهم من أسرى الأعداء . فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه ، بينما أهلك وعشيرتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء . والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه ، أو هي القانون الوحيد . ومع ذلك فينبغي أن نلاحظ فروقًا عميقة بين الإسلام وغيره من النظم في شأن الحرب وأسرى الحرب .
كانت الحروب - وما تزال - في غير العالم الإسلامي لا يقصد بها إلا الغزو والفتك والاستعباد . كانت تقوم على رغبة أمة في قهر غيرها من الأمم ، وتوسيع رقعتها على حسابها ، أو لاستغلال مواردها وحرمان أهلها منها ؛ أو لشهوة شخصية تقوم في نفس ملك أو قائد حربي ، ليرضي غروره الشخصي وينتفش كبرًا وخيلاء ، أو لشهوة الانتقام .. أو ما إلى ذلك من الأهداف الأرضية الهابطة . وكان الأسرى الذين يسترقون ، لا يسترقون لخلاف في عقيدة ، ولا لأنهم في مستواهم الخلقي أو النفسي أو الفكري أقل من آسريهم ، ولكن فقط لأنهم غلبوا في الحرب .
وكذلك لم تكن لهذه الحرب تقاليد تمنع من هتك الأعراض أو تخريب المدن المسالمة , أو قتل النساء والأطفال والشيوخ ، وذلك منطقي مع قيامها لغير عقيدة ولا مبدأ ولا هدف رفيع.