الصفحة 46 من 218

وفرق كبير بين النظام الذي يشجع الناس على طلب الحرية ويهيء لها الوسائل ، ثم يعطيها لهم في اللحظة التي يطلبونها بأنفسهم ، وبين النظم التي تدع الأمور تتعقد وتتحرج ، حتى تقوم الثورات الاقتصادية والاجتماعية وتزهق الأرواح بالمئات والألوف ، ثم لا تعطي الحرية لطلابها إلا مجبرة كارهة .

وقد كان من فضائل الإسلام الكبرى في مسألة الرقيق ، أنه قد حرص على التحرير الحقيقي له من الداخل والخارج ، فلم يكتف بالنية الطيبة كما فعل لنكولن بإصدار تشريع لا رصيد له في داخل النفوس ؛ مما يثبت عمق إدراك الإسلام للطبيعة البشرية ، وفطنته إلى خير الوسائل لمعالجتها . وهذا إلى جانب تطوعه بإعطاء الحقوق لأصحابها ، مع تربيتهم على التمسك بها واحتمال تبعاتها ـ على أساس الحب والمودة بين جميع طوائف المجتمع ـ قبل أن يتصارعوا من أجل هذه الحقوق ، كما حدث في أوربا ، ذلك الصراع البغيض الذي يجفف المشاعر ويورث الأحقاد . فيفسد كل ما يمكن أن تصيبه البشرية من الخير في أثناء الطريق .

والآن نتحدث عن العامل الأكبر الذي جعل الإسلام يضع الأساس لتحرير الرقيق ثم يدعه يعمل عمله من خلال الأجيال .

لقد جفف الإسلام منابع الرق القديمة كلها ، فيما عدا منبعًا واحدًا لم يكن يمكن أن يجففه ، وهو رق الحرب . ولنأخذ في شيء من التفصيل .

كان العرف السائد يومئذ هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم (1) . وكان هذا العرف قديمًا جدًا ، موغلًا في ظلمات التاريخ ، يكاد يرجع إلى الإنسان الأول ، ولكنه ظل ملازمًا للإنسانية في شتى أطوارها .

(1) جاء في الموسوعة التاريخية المسماة"تاريخ العالم: Universal History of the World"في ص 2273 ما ترجمته:"وفي سنة 599 رفض الإمبراطور ( الروماني ) موريس ـ بسبب رغبته في الاقتصاد ـ أن يفتدي بضع ألوف من الأسرى وقعوا في يد الآوار فقتلهم خان الآوار عن بكرة أبيهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت