الصفحة 45 من 218

فقد أرسل مولاه زيدًا على رأس جيش فيه الأنصار والمهاجرون من سادات العرب ، فلما قتل ولى ابنه أسامة بن زيد قيادة الجيش ، وفيه أبو بكر وعمر وزيرا الرسول وخليفتاه من بعده ، فلم يعط المولى بذلك مجرد المساواة الإنسانية ، بل أعطاه حق القيادة والرئاسة على"الأحرار". ووصل في ذلك إلى أن يقول:"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ، ما أقام فيكم كتاب الله تبارك وتعالى (1) ". فأعطى الموالي بذلك الحق في أرفع مناصب الدولة ، وهو ولاية أمر المسلمين . وقد قال عمر وهو يستخلف:"لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لوليته"فيسير على نفس المبدأ الذي سنه الرسول صلى الله عليه وسلم . ويضرب عمر مثلًا آخر من الأمثلة الرائعة على احترام الموالي ؛ إذ يعارضه بلال بن رباح في مسألة الفيء فيشتد في معارضته ، فلا يجد سبيلًا في رده إلا أن يقول:"اللهم اكفني بلالًا وأصحابه"! ذلك وهو الخليفة الذي كان يملك ـ لو أراد ـ أن يأمر فيطاع!

هذه النماذج التي وضعها الإسلام كان المقصود بها تحرير الرقيق من الداخل ـ كما قلنا في مبدأ هذا الفصل ـ لكي يحس بكيانه فيطلب الحرية ، وهذا هو الضمان الحقيقي للتحرير .

وصحيح أنه شجع على العتق وحث عليه بكل الوسائل ، ولكن هذا نفسه كان جزءًا من التربية النفسية للرقيق ، لكي يشعروا أن في إمكانهم أن يحصلوا على الحرية ويتمتعوا بكل ما يتمتع به السادة من حقوق ، فتزداد رغبتهم في الحرية ويتقبلوا احتمال التبعات في سبيلها ، وهنا يسارع في منحها لهم ، لأنهم حينئذ مستحقون لها ، قادرون على صيانتها .

(1) رواه البخاري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت