أما الحضارة الزائفة التي نعيش اليوم في أحضانها ، فلا تجد في نفسها هذه الصراحة ، فهي تصرف براعتها في تزييف الحقائق وطلاء اللافتات البراقة . فقتل مئات الألوف في تونس والجزائر والمغرب لغير شيء سوى أنهم يطالبون بالحرية والكرامة الإنسانية: حريتهم في أن يعيشوا في بلادهم بلا دخيل ، وأن يتكلموا لغتهم ، ويعتقدوا عقيدتهم ، ولا يخدموا إلا أنفسهم . وحريتهم في التعامل المباشر مع العالم في السياسة والاقتصاد ... قتل هؤلاء الأبرياء وحبسهم في السجون القذرة بلا طعام ولا ماء ، وانتهاك أعراضهم والسطو على نسائهم ، وقتلهن بلا مبرر وشق بطونهن للتراهن على نوع الجنين .. هذا اسمه في القرن العشرين حضارة ومدنية ونشر لمبادئ الحرية والإخاء والمساواة . أما المعاملة المثالية الكريمة التي كان يمنحها الإسلام للرقيق قبل ثلاثة عشر قرنًا ، تطوعًا منه وإكرامًا للجنس البشري في جميع حالاته ، مع إعلانه العملي بأن الرق وضع مؤقت وليس حالة دائمة ، فهذا اسمه تأخر وانحطاط وهمجية .
وحين يضع الأمريكان على فنادقهم ونواديهم لافتات تقول:"للبيض فقط"أو تقول في وقاحة كريهة:"ممنوع دخول السود والكلاب"، وحين يفتك جماعة من البيض"المتحضرين"بواحد من الملونين ، فيطرحونه أرضًا ويضربونه بأحذيتهم حتى يسلم الروح ، ورجل الشرطة واقف لا يتحرك ولا يتدخل ، ولا يهم لنجدة أخيه في الوطن وفي الدين واللغة
.فضلًا عن الأخوة في البشرية ، كل ذلك لأنه - وهو ملون - تجرأ فمشى إلى جانب فتاة أمريكية بيضاء لا عرض لها - وبإذنها لا كرها عنها - يكون هذا هو أقصى ما وصل إليه القرن العشرون من التحضر والارتفاع .