الصفحة 79 من 218

ولكن الإسلام - كعادته - لم يكن ليكتفي بالتشريعات الاقتصادية وغير الاقتصادية . فهو يلجأ كذلك إلى الدعوة الخلقية والروحية ، التي يسخر بها الشيوعيون لأنهم يرونها - في أوربا - معلقة في الفضاء ، غير قائمة على أساس عملي . ولكنها في الإسلام ليست كذلك . فهذا النظام العجيب لا يوجه دعوة للروح وأخرى للتنظيم الاقتصادي منفصلة هذه عن تلك ، ولكنه يمزج بطريقته الفريدة بين تهذيب الروح وتنظيم المجتمع ، فيوفق بين هذا وذاك ، ولا يترك الفرد تائها حائرًا يحاول التوفيق بين الواقع والمثال فلا يهتدي ولا يستطيع . إنه يقيم التشريع على أساس خلقي ، ويجعل الدعوة الخلقية متمشية مع التشريع ، فيلتقي الجانبان في نظام واحد ، ويصبح كل منهما مكملًا للآخر موصلًا إليه ، بلا تعارض ولا انفصال .

والدعوة الخلقية هنا تحرم الترف وتحاربه . وهل ينشأ من تضخم الأرباح في يد فئة قليلة من الناس إلا الترف البغيض والمتاع الحسي الغليظ ؟ وتحرم ظلم الأجير وعدم توفيته أجره ، وهل ينشأ تضخم الأرباح إلا من ظلم الأجراء ؟ وتدعوا إلى إنفاق المال في سبيل الله - ولو خرج الإنسان عن كل ماله . وهل ينشأ الفقر الذي يعيش فيه أغلب الشعب إلا لأن الأغنياء ينفقون أموالهم على أنفسهم ، ولا ينفقونها في سبيل الله (1) ؟

والدعوة الروحية تربط الإنسان بالله ، وتزهده في كل مغانم الأرض وملذاتها في سبيل مرضاة الله ، وانتظارًا لثوابه في الآخرة .. وهل يتكالب الإنسان على تكديس المال ويسلك إلى ذلك سبيل الظلم والاستغلال وبينه وبين الله رابطة ، أو في قلبه إيمان باليوم الآخر وما فيه من نعيم وعذاب ؟

(1) ليس المقصود أن"يتصدق"أصحاب المصانع على العمال .. فاكتفاؤهم بأقل الربح إنفاق في سبيل الله ، وإنشاؤهم للمدارس والمستشفيات إنفاق في سبيل الله . انظر فصل"الاسلام والصدقات".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت