ثم أن الضمانات التي كفلها الرسول الكريم لموظفي الدولة مشتملة على المطالب الأساسية للإنسان:"من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا ، أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة ، أو ليس له خادم فليتخذ له خادمًا ، أو ليست له دابة فليتخذ دابة" (1) هذه الضمانات لا يمكن عقلًا أن تكون وقفًا على موظفي الدولة . وإنما هي المطالب الأساسية التي يحتاج إليها كل شخص وينالها بوسيلة من الوسائل مقابل العمل الذي يؤديه ، سواء كان للدولة مباشرة ، أو في حرفة يحترفها ويعود النفع منها على المجتمع . وإذا كانت الدولة قد تعهدت لموظفيها بكفالة هذه المطالب ، فهي مكلفة كذلك أن تضمنها لكل فرد يعمل في أي عمل في الدولة . يؤيدنا في ذلك أن بيت المال يكفل العاجزين عن العمل لسبب من الأسباب - كالمرض أو الشيخوخة أو الطفولة .. الخ - ويكمل الحاجات الأساسية لمن تقصر بهم مواردهم الخاصة عن بلوغها . كل ذلك يدل دلالة واضحة على مسئولية الدولة في أن تكفل لعمال المصانع هذه المطالب الأساسية التي ذكرها الرسول في حديثه ، بوسيلة من الوسائل . فليست الوسيلة هي المهمة - وهذه يحددها كل عصر بما يراه - وإنما المهم هو المبدأ الذي يكفل توزيع المغانم والمغارم على طوائف الأمة . وحين يكفل الإسلام هذه المطالب للعمال يكون قد حماهم من الاستغلال السيئ وكفل لهم الحياة الحرة الكريمة .
على أي حال لم يكن يمكن أن يسمح الإسلام بقيام الرأسمالية في صورتها البشعة التي نراها اليوم في الغرب"المتحضر"وكانت تشريعاته ، الموجود منها مباشرة في صلب الشريعة ، والمستحدث منها لمواجهة الظروف المتطورة في حدود المبادئ العامة للشريعة ، كانت هذه التشريعات وتلك ستقف في سبيل شرور الرأسمالية ، لا تسمح لها بما ترتكبه اليوم من استغلال لعرق الكادحين ودمائهم ، ومن استعمار وحروب واسترقاق للشعوب .
(1) رواه أحمد وأبو داود .