لقد نشأ الصراع في أوربا بين العلم والدين ، لأن الكنيسة هناك احتضنت أفكارًا"علمية"ونظريات معينة ، وقالت إنها حقائق مقدسة ، لأنها كلمة السماء ! فلما أثبت العلم النظري والتجريبي فساد هذه الأفكار والنظريات ، لم يكن بد من أن يؤمن الناس بالعلم ويكفروا بالكنيسة ، ويكفروا بالدين كما يصوره لهم رجال الدين . وزاد في حدة هذا الصراع والرغبة في التحرر من"ربقة"الدين ، أن الكنيسة في أوربا فرضت لنفسها سلطة إلهية ، واشتطت في تطبيقها إلى حد الدكتاتورية ، فصارت غولًا بشعًا يطارد الناس في يقظتهم ومنامهم ، يفرض عليهم الإتاوات ، والخضوع المذل لرجال الدين ، كما يفرض عليهم الأوهام والخرافات ، باسم كلمة الله !
وكان تعذيب العلماء وتحريقهم بالنار ، لانهم قالوا بكروية الأرض - مثلًا - من البشاعة بحيث يفرض على كل صاحب فكر حر ، وضمير متحرر أن يساعد في تحطيم هذا الغول البشع ، أو تكبيله بحيث لا يعود له على الناس سلطان . وصار تجريح الدين - كما صورته الكنيسة - وتلمس العيوب فيه ، واجبًا مقدسًا هناك على المفكرين الأحرار .
أما نحن هنا في الشرق الإسلامي فما بالنا ؟ لماذا نفصل بين العلم والدين ، ونقيم بينهما النزاع والصراع ؟ أي حقيقة علمية خالصة مجردة من الهوى اصطدمت بالدين والعقيدة ؟ ومتى وقع اضطهاد على العلماء في ظل الإسلام ؟ هذا هو التاريخ يشهد بقيام علماء في الطب والفلك والهندسة والطبيعة والكيمياء ، نبغوا في ظل الإسلام ، فلم يقم في نفوسهم الصراع بين العلم والعقيدة ، ولا قام بينهم وبين السلطات الحاكمة ما يدعو إلى الحرق والتعذيب .
فما الذي يدفع أولئك"المثقفين"إلى فصل الدين عن العلم ، وتجريح الدين ، وتلمس العيوب فيه - دون وعي ولا دراسة ، وبما يشبه صراخ المحمومين - إلا السم الاستعماري الذي تجرعوه وهم لا يشعرون ؟