وفي مكان هذا كله درسوا لهم أوربا .
النظم الاجتماعية الحقة هي التي قامت في أوربا . والنظم الاقتصادية الحقة هي التي ابتدعها الفكر الأوربي . والنظم الدستورية الصالحة هي التي صقلتها تجارب الأوربيين . حقوق الإنسان قررتها الثورة الفرنسية .
والديمقراطية قررها الشعب الإنجليزي . و"الحضارة"وضعت أسسها الإمبراطورية الرومانية . وباختصار ، صورت لهم أوربا على أنها مارد جبار لا يقف في طريقه شيء ، والشرق على أنه قزم ضئيل لا يرجى له قيام إلا أن يكون خاضعا لأوربا ، مستمدا كيانه كله من هناك .
وفعلت تلك السياسة فعلها . ونشأت أجيال من المصريين لا تحس لها وجودًا ذاتيًا ولا كيانًا خاصًا . أجيال قد استعبدت لأوربا ، وغرقت في العبودية إلى آخر قرارها . أجيال لا تبصر بعيونها ولا تفكر بعقولها ، ولا ترى إلا ما يراه لها الأوربيون ، ولا تعتنق إلا ما يريدون لها من أفكار ! والذي حدث في مصر حدث مثله أو شبيه له في كل قطر من أقطار الإسلام .
و"المثقفون"، اليوم هم خلاصة هذه السياسة المرسومة التي وضعها الاستعمار في العالم الإسلامي كله من المحيط إلى المحيط !
إنهم لا يعرفون عن الإسلام إلاَّ الشبهات ، ولا يعرفون عن الدين كله إلا ما لقنهم الأوربيون . ولذلك فهم ينادون - كالأوربيين - بفصل الدين عن الدولة ، وفصل العلم عن الدين .
وهم ينسون - في غفلتهم - أن الدين الذي انسلخت منه أوربا شيء ، والدين الذي يدعو إليه أصحاب الدعوة الإسلامية شيء آخر . وأن الملابسات التي أحاطت بأوربا ، وأدت بها إلى معاداة الدين والنفور منه ، ملابسات خاصة بالقوم هناك ، لم يحدث مثلها في الشرق الإسلامي ، ولا يمكن أن يحدث . فهم في دعوتهم إلى نبذ الدين ، أو تركه في عزلة عن تدبير الحياة وتصريف شئون المجتمع والسياسة والاقتصاد ، إنما يستوردون أفكارًا جاهزة ، ويرددون ما يردده القوم هناك .