الصفحة 84 من 218

وإنما نشأ الظلم الذي صاحب الملكية في أوربا أو في غير العالم الإسلامي عامة من أن"الطبقة"المالكة هناك هي التي تشرع وتحكم . فكان من الطبيعي أن تحكم لصالح نفسها ، وأن تضع التشريعات التي تحمي مصالحها وتجور على مصالح الآخرين . أما في الإسلام فلا يوجد طبقة حاكمة ، والقانون ليس من صنع طبقة معينة من طبقات الشعب ، وإنما هو من صنع الله خالق الجميع . والناس سواسية في عرف الإسلام لا يتفاضلون فيما بينهم إلا بالتقوى ، ولكنهم لا يتفاضلون أمام التشريع الذي يطبق بصورة واحدة على الجميع . (1) والحاكم في الإسلام رجل ينتخب انتخابًا حرًا من الأمة المسلمة ، فليست له مزية"طبقية"ترشحه للحكم. ثم هو بعد ولايته للأمر لا يملك إلا تنفيذ الشريعة التي لم يضعها هو وإنما وضعها الله . وسلطته على المحكومين مستمدة من قيامه بتنفيذ الشريعة لا أكثر . يقول أبو بكر الخليفة الأول:"أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم". فليس لشخصه مزية قانونية يمنح بها نفسه أو غيره امتيازًا في التشريع . ومن ثم فهو لا يملك أن يميز طبقة من الشعب على طبقة ، ولا أن يخضع للنفوذ السياسي للملاك ، فبضع لهم تشريعات تحمي مصالحهم بالجور على مصالح غير الملاك . ونحن هنا نتحدث عن الفترة التي طبق فيه الإسلام على حقيقته ، ولا ننظر إلى الفساد الذي دخل عليه بعد تحوه إلى ملك عضوض . لأن ذلك ليس إسلامًا ، ولا يمكن أن يكون الإسلام مسئولًا عنه . وقصر الفترة التي طبق فيها الإسلام بكل عدالته ومثاليته لا تعني أنه نظام خيالي غير قابل للتطبيق في الواقع ، فالذي حدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى . والناس مطالبون

(1) إذا كان الله سبحانه وتعالى يقول:"والله فضل بعضكم على بعض في الرزق"فهذا موضوع أخر سنعرض له في الفصل التالي . إنما الذي نقصده هنا هو وضع الناس بالنسبة للتشريع وهو الذي حرص الإسلام فيه على المساواة المطلقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت