الصفحة 85 من 218

باستعادة تلك الفترة . وهي اليوم أقرب إلى التحقيق مما كانت على أيدي أجدادهم فيما مضى من التاريخ (1) .

في النظام الإسلامي إذن لا يشرع الملاك لأنفسهم ، وإنما يخضعون كغيرهم لشريعة عامة تسوي بين الجميع في الحقوق الإنسانية والكرامة البشرية . فأما حين يحدث اختلاف في تفسير نص من النصوص - كما يحدث في كل قانون على وجه الأرض - فالفقهاء هم أصحاب الرأي فيه (2) . ويشهد التاريخ أن فقهاء الإسلام الكبار لم يشرعوا لطبقة الملاك على حساب الكادحين ، وإنما كانوا دائمًا أقرب إلى توفية حقوق هؤلاء الكادحين ، وتحقيق مطالبهم الأساسية . والمثال الذي ذكرناه في الفصل السابق - والذي يجعل العامل شريكًا بالنصف مع صاحب العمل - صريح فيما نقصد إليه .

والإسلام لا يسوء ظنه بالطبيعة البشرية إلى الحد الذي يسلم فيه بأن الملكية دائمًا تعني الظلم والاستبداد . وقد بلغ في تربيته للنفس الإنسانية حدًا رفيعًا جعل بعض الناس يملكون ومع ذلك"لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" (3) فيشركون معهم غيرهم في كل ما يملكونه دون ثمن ولا مقابل ، ولا انتظار لشيء إلا رجاء عفو الله ومثوبته .

وهذه الأمثلة النبيلة - على ندرتها - لا يجوز إسقاطها من الحساب لأنها قبس النور الذي يشير إلى المستقبل ، والذي يبشر بما يمكن أن تصل إليه الإنسانية في يوم من الأيام . وإن كان الإسلام - مع ذلك - لا يغرق في الأحلام ، ولا يرع مصالح الأمة رهنًا بالنوايا الطيبة التي قد توجد أو لا توجد ، وإنما هو مع عنايته البالغة بتهذيب النفوس وتطهيرها يؤمن بالواقع العملي ، ويضع التشريعات الكفيلة بتوزيع الثروة توزيعًا عادلًا فيضمن الأمر من جانبيه ، مصدقًا لقول عثمان:"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

(1) انظر بعد ذلك فصل"الإسلام والمثالية".

(2) ذلك فيما لم يرد فيه نص صريح لا خلاف عليه .

(3) سورة الحشر [9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت