الصفحة 87 من 218

ثم إنه لا يمكن الفصل بين نظام اقتصادي وبين الفلسفة الفكرية والاجتماعية التي تقوم وراءه . فإذا استعرضنا النظم الثلاثة التي يدعو لها الدعاة اليوم ، وهي الرأسمالية والشيوعية والإسلام ، وجدنا نظمها الاقتصادية وفكرة الملكية فيها مرتبطة ارتباطا وثيقًا بفكرتها الاجتماعية . فالرأسمالية - كما قلنا من قبل - تقوم على أساس أن الفرد كائن مقدس لا يجوز للمجتمع أن يحجر على حريته ، ومن ثم تباح هناك الملكية الفردية بلا حدود . (1) والشيوعية تقوم على أساس أن المجتمع هو الأصل ، والفرد لا كيان له بمفرده ، فهي تضع الملكية في يد الدولة ممثلة المجتمع ، وتحرم منها الأفراد .

أما الإسلام فله فكرة أخرى ، ومن ثم فله اقتصاد آخر .

فأما فكرة الإسلام عن الفرد والجماعة فهي ترى أن الفرد كائن ذو صفتين في وقت واحد: صفته كفرد مستقل ، وصفته كعضو في جماعة . وأنه يستجيب أحيانًا لهذه الصفة أو تلك بصورة بارزة ، ولكنه في النهاية مشتمل عليهما معًا ومستجيب لهما معًا .

وأما فكرته الاجتماعية المستمدة من تلك الفكرة ، فهي لا تفصل بين الفرد والجماعة ، ولا تضعهما في موضع التقابل كمعسكرين متصارعين يحاول أحدهما أن يغتال الأخر . وما دام كل فرد في ذات الوقت فردًا مستقلًا وعضوًا في جماعة ، فإن التشريع الذي يتمشى مع الفطرة يوازن بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية ، ويوازن بين مصالح كل فرد وغيره من الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع ، دون أن يفني إحدى النزعتين لحساب الأخرى ، ودون أن يسحق الفرد لحساب المجتمع أو يفكك المجتمع لحساب فرد أو أفراد ..

(1) إلا أخيرًا جدًا ، وبتأثير الخوف من الشيوعية . وقد كانت المناجم - وهي من الموارد العامة - ملكًا للأفراد في انجلترا إلى ما قبل سنوات قليلة وما تزال ملكًا للأفراد في أمريكا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت