وليس هناك ثانيًا قوانين تحتفظ بالثروة في يد قوم معينين يتوارثونها ولا تخرج من أيديهم . فقد كره الإسلام ذلك وقال صراحة:"كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم". ووضع من جهة أخرى قوانين لتفتيت الثروة بصفة دائمة ، وإعادة توزيعها في المجتمع بنسب جديدة على الدوام ، تلك هي قوانين الميراث التي توزع الثروة على عدد كبير من الأشخاص فلا يمر جيل حتى تكون قد تفرقت بين الناس . والحالات النادرة التي يرث فيها الثروة كلها ولد واحد لا إخوة له ولا أقرباء حالات شاذة لا يجوز الحكم بها ولا اعتبارها قاعدة ينتقد النظام كله من أجلها . ومع ذلك فإن الإسلام لم يتركها تمر اعتباطًا ، فقد جعل في التركة نصيبًا للمحرومين من غير أولي القربى يشبه ضريبة التركات في العصر الحديث:"وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولًا معروفًا" (1) .
وبهذه الطريقة يعالج تكتل الثروات ، ويجعل أصحاب الثروات أفرادًا لا طبقة . أفرادًا لا يلبثون أن يجتمعوا حتى يتفرقوا ، بحكم توزع الثروة على نسب جديدة . والتاريخ الواقعي يشهد أن الثروات كانت دائمة الانتقال في المجتمع الإسلامي ، وأن الغني اليوم قد يفتقر غدًا ، والفقير اليوم قد تهبط عليه الثروة من أي سبيل ، فلا تقوم الحواجز المصطنعة بين أي شخص وبين الغنى أو الفقر حسب تصرفه الخاص وملابسات حياته الخاصة .
(1) سورة النساء [8] .