إن الزكاة ـ من جانبها المالي ـ هي أول ضريبة نظامية في تاريخ الاقتصاد في العالم. فقد كانت الضرائب قبل ذلك تفرض حسب هوى الحكام وبقدر حاجتهم إلى الأموال لتنفيذ مآربهم الشخصية ، وكان حملها يقع دائمًا على الفقراء أكثر مما يقع على الأغنياء ، أو عليهم وحدهم دون الأغنياء .
وجاء الإسلام فنظم جباية الأموال ، فجعل لها نسبة معينة لا تتجاوزها ـ في الأحوال العادية ـ وجعل حملها على الأغنياء والمتوسطين وأعفى منها الفقراء .
هذه هي الحقيقة الأولى التي ينبغي أن تقر في أذهاننا بشأن الزكاة . وهي بديهية لا تحتاج في الواقع إلى جدل ولا برهان .
والحقيقة الثانية أن الذي يوزع حصيلة الزكاة على الفقراء هو الدولة ذاتها لا الأغنياء بأشخاصهم . الدولة هي التي تجمعها وهي التي توزعها . وليس بيت المال إلا وزارة المالية التي تجمع الميزانية العامة ثم تعيد توزيعها على مختلف مرافق الدولة . فإذا كانت الدولة تقوم بكفالة المحتاجين ـ بسبب عجزهم الكامل عن الكسب ، أوعدم كفاية مواردهم للحياة الكريمة ـ فليس هذا تفضلًا وإحسانًا ، وليس فيه ما يغض من كرامة المحتاجين . وهل يحس الموظفون الذين تمنحهم الدولة معاشًا أو العمال الذين تصرف لهم تأمينًا أنهم متسولون يعيشون على حساب الأغنياء ؟ والأطفال والشيوخ العاجزون عن الكسب .. هل يخدش كرامتهم أن تنفق الدولة عليهم من مالها ما دامت تقوم بذلك أداءً لواجبها ؟ إن مبدأ كفالة الدولة هوأحدث المبادئ التي اهتدت إليها البشرية بعد تجارب كثيرة ، وبعد تخبط طويل في الظلم الاجتماعي . فمن مفاخر الإسلام أنه قرره في وقت كانت أوربا تعيش في الظلمات . أم إن النظام يصبح جميلًا وبراقًا حين يأتينا من الغرب أو الشرق ، ولكنه تأخر وانحطاط حين ينادي به الإسلام ؟