الصفحة 97 من 218

والحقيقة الثالثة أنه إذا كانت حياة الناس في صدر الإسلام قد اقتضت أو تقبلت أن يأخذ الفقراء الزكاة نقدًا أوعينًا في أيديهم ، فليس في الإسلام ما ينص على أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتوزيع الزكاة . وليس هناك ما يمنع من إعطائها لمستحقيها في صورة مدارس مجانية يعلمون فيها أبناءهم ، ومستشفيات مجانية يتداوون فيها ، وجمعيات تعاونية تسهل لهم وسائل العيش ، ومصانع أو مؤسسات يرتزقون منها رزقًا دائمًا . إلى آخر ما يوحيه العصر الحديث من وسائل الخدمة الاجتماعية . فلا تعطى الزكاة نقدًا إلا للعاجزين بسبب المرض أو الشيخوخة أو الطفولة .

ويأخذها غيرهم في صورة عمل وخدمات تحقق قوله تعالى:"وفي سبيل الله".

والحقيقة الرابعة أنه ليس أصلًا من أصول المجتمع الإسلامي أن يكون فيه فقراء يعيشون من أموال الزكاة . وقد وصل المجتمع الإسلامي إلى صورته المثالية في عهد عمر بن عبد العزيز حيث كانت الزكاة تجبى فلا يجد عمالها فقراء يوزعونها عليهم أو أحدًا يقبلها منهم ، وفي ذلك يقول يحيى

ابن سعيد:"بعثتي عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها ، وطلبت فقراء نعطيها لهم ، فلم نجد فقيرًا ولم نجد من يأخذها منا ، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس".

وإنما الفقر أو الحاجة أمر يعرض لكل مجتمع ، فلا بد من تشريع لمواجهته ؛ وقد كان الإسلام يضم إليه باستمرار مجتمعات جديدة غير متوازنة الثروة ، فكان لا بد من هذا التشريع حتى يصل بهذه المجتمعات رويدًا رويدًا إلى حالتها المثالية التي وصلت إليها في عهد عمر بن عبد العزيز .

ذلك شأن الزكاة . أما"الصدقات"الحقيقية ، أي الأموال التي يخرجها الأغنياء تبرعًا وإحسانًا ، فقد أقرها الإسلام فعلًا ودعا إليها وجعل لها صورًا شتى . فمن إنفاق على الوالدين والأقربين ، إلى إنفاق على المحتاجين عامة ، إلى تصدق بالعمل الطيب والكلمة الطيبة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت