و التلبين: هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتق اسمه. متخذ من دقيق الشعير بنخالته.
قال الهروي: سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها. قال ابن القيم: وهذا الغذاء هو النافع للعليل، وهو الرقيق النضيج، لا الغليظ النيئ، وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة، فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته. والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخًا صحاحًا ينفذ سريعًا، ويجلو جلاء ظاهرًا، ويغذي غذاءً لطيفًا، وإذا شرب حارًا كان جلاؤه أقوي، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، وتلميسه لسطوح المعدة أوفق. وقوله صلى الله عليه وسلم فيها:"مَجَمَّة لفؤاد المريض" [1] يروى بوجهين: بفتح الميم والجيم، وبضم الميم وكسر الجيم. وإلاول أشهر، ومعناه: أنها مريحة له؛ أي: تريحه وتسكنه، من إلاجمام، وهو الراحة.
وقوله:"تذهب ببعض الحزن"هذا- والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج، ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادة مادتها، فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن.
وقد يقال - وهو إلاقرب: إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص إلاغذية المفرحة، فإن من إلاغذية ما يفرح بالخاصية، والله أعلم.
وقد يقال: إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليُبس على أعضاءه وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء ... ، وهذا الحساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه ويحدره، ويميعه، ويعدل كيفيته، ويكسر سورته فيريحها، ولاسيما لمن عادته إلاغتذاء بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم وكانت الحنطة عزيزة عندهم. والله أعلم.
روى ابن ماجة من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ أحدًا من أهله الوعك؛ أمر بالحساء من الشعير فصنع، ثم أمرهم فحسوا منه، ثم يقول:"إنه ليرتو فؤاد الحزين، ويسرو فؤاد السقيم كما تسرو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها" [2] . (أخرجه ابن ماجة) .
ومعنى يرتوه: يشده ويقويه. ويسرو: يكشف ويزيل.
وقد تقدم أن هذا هو ماء الشعير المغلي، وهو أكثر غذاء من سويقه، وهو نافع للسعال، وخشونة الحلق، صالح لقمع حدة الفضول، مدر للبول، جلاء لما في المعدة، قاطع للعطش، مطفئ للحرارة، وفيه قوة يجلو بها ويلطف ويحلل.
وصفته: أن يؤخذ من الشعير الجيد المرضوض مقدار، ومن الماء الصافي العذب خمسة أمثاله، ويلقى في قدر نظيف، ويطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى منه خمساه، ويصفي، ويستعمل منه مقدار الحاجة مُحَلا. ً (و هذا في الشعير الحصى) (زاد المعاد - لابن القيم) .
علاقة الشعير بأمراض القلب وضغط الدم والكوليسترول:
لكي تعرف أهمية الشعير للقلب وإلاوعية الدموية يجب علينا معرفة خطر زيادة نسبة الكوليستول في الدم على القلب والدورة الدموية.
(1) [متفق عليه] وقد تقدم من حديث عائشة.
(2) [ضعيف] أخرجه الترمذي في (الطب / بـ ما جاء ما يطعم المريض / ح 2039) ، وابن ماجة في (الطب / بـ التلبينة / ح 3488) من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ الْوَعْكُ أَمَرَ بِالْحَسَاءِ قَالَتْ وَكَانَ يَقُولُ: [إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الْحَزِينِ وَيَسْرُو عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخَ عَنْ وَجْهِهَا بِالْمَاءِ] ، وضعفه الشيخ الألباني في (ضعيف الترمذي / 228 / ح 350) .