ثالثًا: بين الإمرة والحاكمية
نأتي الآن إلى نقطة مهمة في هذا الموضوع، وكثيرًا ما يثيرها معارضو فكرة الحاكمية، ومجمل تلك النقطة أن القول بفكرة الحاكمية قد أحدث خلطًا بين مفهوم الحاكمية ومفهوم الإمرة والإمارة، حيث صادر أصحاب مصطلح الحاكمية حق الناس في تنظيم شؤون حياتهم، وألغوا حق ولاة الأمر في الاجتهاد والتفسير والسلطان السياسي، ويقرر بعض هؤلاء المعارضين أنهم لا يعارضون فكرة أنه لا حكم إلا لله، ولكنهم يقولون كما قال علي رضي الله عنه عن الخوارج لما قالوا: لا حكم إلا لله، فقال: (نعم لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر) .
فهل حقًا حدث هذا الخلط عند القائلين بمفهوم الحاكمية؟
إننا حين نرجع إلى كتابات سيد قطب لا نجد أثرًا لهذا الخلط، فهو يقول في تفسير قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} (يوسف:40) - بعد أن قرر مبدأ أن الحاكمية لله وحده - يقول: (( وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة، فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكها الله وحده والناس إنما يزاولون تطبيق شرع الله بسلطانه ) ) (18) .
وفي موضع آخر يعطينا توضيحًا أكبر لدور الحكام في مزاولة السلطة فيقول عند تفسير {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ... } (النساء: 59) ، يقول: (( وطاعة أولي الأمر .. في حدود المعروف المشروع من الله والذي لم يرد نص بحرمته ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مباديء شريعته ) ) (19) .
ومعنى ذلك أن للحاكم أن يصدر من القرارات ما ينظم به شؤون الناس وعليهم أن يطيعوه في ذلك ما دامت تلك النظم لا تصادم نصًا صريحًا، ولا تتعارض مع مبدأ من المباديء العامة للشريعة الإسلامية.
وبصفة عامة فهو يقرر أن الإسلام لابد له من رجال يقومون به، وقد خصص الفصل الأول من كتابه (هذا الدين) لهذه القضية ومن كلامه في ذلك: (( هذا المنهج الإلهي الذي يمثله الإسلام في صورته النهائية .. لا يتحقق في الأرض وفي دنيا الناس بمجرد تنزله من عند الله، لا يتحقق بكلمة كن الإلهية .. إنما يتحقق بأن تحمله جماعة من البشر تؤمن به إيمانًا كاملًا وتستقيم عليه بقدر طاقتها وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم كذلك ) ) (20) .
أما المودودي فله كلام صريح جدًا في هذه المسألة وكأنه يرد على ما قيل من أنه صادر حق البشر في تنظيم شئونهم وإدارة حياتهم؛ ففي كتابه (الحكومة الإسلامية) وبعد أن بين الحقائق المتعلقة بأن الحاكمية لله وحده قال:
(( قد يظن البعض حين يسمع هذه الحقائق الرئيسية أن الدولة الإسلامية بهذه الصورة لا مجال فيها أمام الإنسان على الإطلاق لقيامه بالتشريع والتقنين ... غير أن الإسلام في الواقع لم يغلق باب التشريع تمامًا في وجه الإنسان، وإنما حدده وضيق إطاره بأن جعل الحاكمية والسيادة للقانون الإلهي ) ).
ثم يوضح المودودي الدائرة التي يقوم فيها الإنسان بالتشريع فيجملها في أربعة أقسام:
القسم الأول: توضيح الأحكام ويعني به معرفة الأحكام الشرعية، وتحديد الحالات التي يختص بها كل حكم شرعي لتطبيقه عليها.
القسم الثاني: القياس ويعنى به ما هو معروف في الأصول من إلحاق فرع غير منصوص على حكمه بأصل نُص على حكمه لاتحاد العلة بينهما.
القسم الثالث: الاستنباط ويكون في الحالات التي لم تبين فيها الشريعة أحكامًا بعينها، وإنما وضعت في شأنها بعض المباديء العامة الجامعة، ومهمة التشريع هنا فهم مباديء الشريعة في تلك المسائل، وكذا قصد الشارع مما بينه من مباديء، ثم وضع القوانين في الأمور الواقعية الفعلية بحيث تبنى على ما أوضحته الشريعة من أصول ومباديء.