الصفحة 32 من 79

القسم الرابع: دائرة التشريع الحر وهو خاص بما سكتت عنه الشريعة تمامًا، فليس فيه حكم صريح أو قياسي أو مستنبط، وهذا السكوت في حد ذاته على أن الحاكم الأعلى أعطى الإنسان حق إبداء رأيه في أمور ومسائل هذا القسم، ومن ثم يمارس الإنسان التشريع فيه بحرية تامة شريطة أن يتلاءم مع روح الإسلام ومبادئه العامة ولا يشذ في مزاجه عن مزاج الإسلام العام الذي يكسو نظام الحياة الإسلامية ويسوده (21) .

فهل نستطيع بعد ما نقلناه عن سيد قطب والمودودي أن نقول إنهما يقصدان أنه لا إمرة إلا لله كما قال علي رضي الله عنه عنه عن الخوارج؟!

إن الخوارج الذين قال فيهم علي رضي الله عنه ما قال كانوا قد رفضوا حكم الحكَمين مع أنهما لم يحكما بغير شرع الله، ولذا قال علي رضي الله عنه ردًا عليهم فيما رواه ابن جرير الطبري في تاريخه: (إنا لم نحكِّم الرجال وإنما حكَّمنا القرآن وهذا القرآن خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال) (22) .

وإذن فقد اعترض الخوارج على حكم رجال حكموا بالقرآن، ومن ثم كانت قولتهم: لا حكم إلا لله، (كلمة حق أريد بها باطل) (23) ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أما أصحاب شعار الحاكمية فقد رفعوا شعار (لا حاكمية إلا لله) في وجه من حكَّموا قوانين أوربا ونبذوا حكم القرآن، فهل يستطيع دعاة القوانين الوضعية أن يقولوا إنهم لم يحكِّموا أهواء البشر، وإنما حكَّموا القرآن، وهل حكم القرآن هو تعطيل الحدود الشرعية وإباحة الزنا والربا وغير ذلك من المحرمات؟

إن البون في الحقيقة شاسع بين فكر الخوارج وفكرة الحاكمية التي نادى بها المودودي وسيد قطب، وليس من العدل المساواة بينهما.

وإذن فلا مجال للتهكم على فكرة الحاكمية بالقول: (( هل يسير الدين على قدمين ليمتنع الناس عن ولاية الحكام ... ) )، كما جاء في تقرير لجنة الفتوى بالأزهر في الرد على سيد قطب أثناء محاكمته.

لا مجال لهذا التهكم لأن سيد قطب لم يقل إن الدين يسير على قدمين بل قال إن هذا الدين يقوم على جهود البشر، وسيد قطب والمودودي من قبله لم يطالبا الناس بالامتناع عن ولاية الحكام، ولكنهما بينا أن طاعة الحكام إنما تكون في حدود المعروف من الشرع، وهذا عين ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إنما الطاعة في المعروف) (24) .

فهل على هذا اعتراض؟

وهذا الذي نقلناه عن المودودي وسيد قطب من بيان لدور ولاة الأمر في ظل مفهوم الحاكمية، لا يختلف عما ذكره أهل العلم من قبل، فقد نقل الإمام ابن القيم عن ابن عقيل تعليقه على قول من قال: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: (( إن أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة ) ) (25) .

فالسياسة المقبولة شرعًا هي التي لا تخالف منطوق الشرع، سواء كان هذا المنطوق حكمًا خاصًا في مسألة أو قاعدة عامة جاءت بها الشريعة.

ومن المعاصرين يقول عبد القادر عودة: (( إن أولي الأمر بحسب مباديء الإسلام ليس لهم حق التشريع المطلق، وحقهم في التشريع قاصر على نوعين من التشريع:

الأول: تشريعات تنفيذية يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص شريعة الإسلام.

الثاني: تشريعات تنظيمية لتنظيم الجماعة وحمايتها وسد حاجتها على أساس مباديء الشريعة، وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأت بنصوص خاصة فيه، ويشترط في هذه التشريعات أن تكون متفقة مع مباديء الشريعة العامة وروحها التشريعية فهي تشريعات توضع بقصد تنفيذ مباديء الشريعة العامة، وإذن فهي في حقيقتها نوع آخر من التشريعات التنفيذية )) (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت