الصفحة 71 من 79

ثانيًا: من حيث المضمون

هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فإن كثيرًا مما يعده الناس تطرفًا وغلوًا، ليس في الحقيقة كذلك بل هو محض الدين والإيمان، وذلك مثل القول بوجوب تحكيم شرع الله ونبذ القوانين الوضعية الكافرة التي ضربت على بلاد المسلمين، وكذلك إعفاء اللحية، وستر وجه المرأة، فإن الكثيرين حتى من المنسوبين للعلم الشرعي يزعمون أن تلك الأمور من قبيل التطرف والغلو المذموم.

وكذلك من الأمور التي تعد عند الناس غلوًا وليست كذلك قيام بعض الأفراد بتغيير المنكرات بأيديهم، فقد صارت تهمة التطرف تطلق أكثر ما تطلق على أمثال هؤلاء المحتسبين، مع أن فعلهم هذا لا يعدو أن يكون تطبيقًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (8) .

ومن المعلوم أن قوله (مَن) مِن صيغ العموم، وذلك يعني أن الخطاب موجه إلى كل فرد من المسلمين، وعلى من ادعى تخصيص طائفة معينة بشيء مما ورد بالحديث - كأن يكون التغيير باليد للحكام فقط - عليه أن يأتي بما يخصص عموم الحديث.

وقد بين الإمام النووي في شرح الحديث السابق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختص بأصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين ثم قال: (( قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين؛ فإن غير الولاة في العصر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية ) ) (9) .

وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ... } (آل عمران:21) ، قال: (( أجمع المسلمون فيما ذكره ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك ) ) (10) .

ومن خلال هذه النصوص وغيرها مما لا يتسع المجال لبسطه (11) نجد أن قيام آحاد الرعية بتغيير المنكر بأيديهم ليس غلوًا ولا تنطعًا بل هو مما أوجبه الله على هذه الأمة.

لكن يبقى القول بأنه لابد من الالتزام في ذلك بالشروط الشرعية التي ذكرها أهل العلم في هذا الباب، ومن أهمها قياس المصالح والمفاسد حتى لا يترتب على تغيير المنكر منكر أكبر منه.

وعليه فقد يتوجه الإنكار على بعض من لم يلتزم في تغييره بتلك الضوابط الشرعية، لكننا لا يمكننا أن نعتبر المسألة من حيث الأصل تطرفًا ولا غلوًا.

وصفوة القول أني أدعو الدعاة والعلماء وغيرهم إلى نبذ هذا المصطلح الوافد الذميم بعدما رأينا عليه من ناحيتي الشكل والمضمون، ولنستبدل به ما ورد من الاصطلاحات الشرعية كالغلو والتنطع، هذا بعد التأكد من وجود ذلك الغلو بمقاييس الشرع الحنيف.

(8) سبق تخريجه ص:100.

(9) شرح صحيح مسلم (2/ 23) .

(10) الجامع لأحكام القرآن (4/ 48) .

(11) ينظر كتاب حكم تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية للمؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت