الصفحة 1015 من 1360

و للأسف مصطلحاتٌ كثيرةٌ في واقعنا المعاصرِ كان الخطأُ (عن قصدٍ أو عدمِ قصدٍ) في تحريرها وتحديدِ المعاني التي يتنزلُ عليها لفظُها السبب في فسادٍ عظيمٍ وفتنٍ لا تنقطع، سواءً في جانبِ الإفراطِ أو التفريط، وعلى سبيل المثال لا الحصر: (الحربي) / (المدني) / (الجاهلية) / (الطاغوت) / (المرحلية) / (المصلحة والمفسدة) بل إنّ مصطلحَ (فتنة) نفسَه تَسبَّب عدمُ تحريرِه في الوقوعِ في الفتنة!! فما هي الفتنةُ التي يجبُ على المرءِ أن يعتزلها؟ وما هي الفتنةُ التي يجب على المرءِ أن يكونَ وسطَها وفي معمعتها فإذا ماتَ ماتَ شهيدًا؟ والتي تكون فيها الفتنةُ هي اعتزالُ الفتنة؟.

ولنتوقف هنا قليلًا عند مصطلحٍ يتداخلُ مع كل حركةٍ من تحركاتنا في مسيرةِ تغييرِ واقعِ الأمة، والخروجُ بها من النفقِ المظلمِ التي دخلت فيه، ألا وهو مصطلح (المصلحةِ والمفسدةِ) ، وسنختارُ لبيانِ التحريفِ الذي حدث في تنزيل ذلك المصطلحِ على الواقعِ قضيةً واحدةً وهي قضيةُ (المصلحةِ والمفسدةِ في الخروجِ على الحاكمِ المرتدّ) وهي مثالٌ عمليٌ جيدٌ لقضايا الجهادِ المماثلةِ في قتالِ الكفّارِ الأصليّين الذين يصولون على ديارِنا في القرنين الأخيرين والتي حدث الانحرافُ في التعاملِ معها بسببِ عدمِ فهم مصطلحِ المصلحةِ والمفسدةِ وتحريره تحريرًا صحيحًا.

يبدأ أهلُ التحريفِ بمقدمةٍ صحيحةٍ أنّ أوامرَ الشرعِ جاءت لتحصيلِ المصالحِ وتكميلها ودرءِ المفاسدِ وتقليلها، ويدخل في ذلك الأمرُ بالخروجِ على الحاكمِ المرتدّ، والأمرُ حتى هنا صحيحٌ، لكن ذهبوا بعد ذلك إلى قياسِ جهادِ الحاكمِ إذا ارتدَّ على أحكامِ دفعِ ظُلمِ الحاكمِ المسلمِ الظالمِ، فجاءوا بأقوالٍ ننتظرُ منهم إلى يوم القيامة أن يأتوا لنا بسلفٍ لهم فيها وهيهات، ونتج عن ذلك الخطأِ خلافاتٌ في الساحةِ الإسلاميةِ كنّا في غنىً عنها لو كان موقفهم من هذه القضيّةِ سلفيًّا، وتم رفعُ شعارِ المصلحةِ والمفسدةِ بالباطلِ في وجه أهلِ التوحيدِ والجهاد ليصرفوا الناس عن الجهاد، وبيانُ خطأهم باختصارٍ كالتالي:

إن الخروجَ على الحاكمِ المرتدِّ جهادُ دفعٍ مأمورٌ به، وهو فرضُ عينٍ على الأمّةِ مالم تتحقق الكفاية، وقد نقل ابنُ حجرٍ الإجماعَ على ذلك بقوله (ينعزلُ الإمامُ بالكفرِ إجماعًا فيجبُ على كلِّ مسلمٍ القيامُ في ذلك، فمن استطاع فله الثوابُ ومن عجزَ فعليه الهجرةُ ومن داهنَ فعليه الإثم) بل الأمرُ بجهادِ الحاكمِ المرتدِّ يدخلُ تحتَ كلِّ الآياتِ والأحاديث الآمرةِ بجهادِ الكفارِ والمرتدين، بينما الخروجُ على الحاكمِ الظالمِ غيرُ مأمورٍ به أصلًا، وإنما دفعُ ظلمه يدخلُ تحت بعضِ النصوص العامة، بل إنّ الأصلَ هو الأمرُ بالصبر وعدمُ دفعِ ظلمِ الحاكم المسلم إذا كان دفعه سيؤدي لظلمٍ أكبر، بل إنَّ دفعَ الظلمِ بصفةٍ عامةٍ لا يستلزمُ نزعَ اليد من الطاعة، فبأيّ أصلٍ يمكنُ قياسَ الضوابطِ التي وضعها العلماءُ حولَ دفعِ ظلمِ الحاكمِ المسلمِ الظالمِ على جهادِ الحاكمِ الكافرِ أو المرتدّ؟! فإذا علمنا أن أصغرَ طالب علمٍ مبتدئٍ يعلم أن قتلَ النفوس في الجهاد واحتمالَ وقوعِ هزيمةٍ لم يكن أبدًا مفسدةً معتبرةً لتعطيلِ الجهاد، علمنا مقدارَ الدجلِ الذي مارسه القومُ لإدخال مفاسد لم يعتبرها الشارعُ في هذه القضية قياسًا على قضيةٍ أخرى يعتبر فيها الشارعُ هذه المفاسد، فيجب أن نعلم أن المفسدةَ التي ثبتَ الحكمُ مع وجودها بالدليل الشرعيِّ تكون مفسدةً غير معتبرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت