الصفحة 1026 من 1360

الأمن، والهدوء، والاطمئنان، والسلام، هذه هي أعظم المقاصد الشرعية عند كاتب المقال، أما الإيمان والهداية، والتوحيد والسنَّة، وتحكيم الشريعة، ودفع العدو الصائل، وإصلاح البلاد والعباد، فلا يُمكن أن يأتي ذكرها إلاَّ بعد الأمور الدنيوية المذكورة.

بل حتى الكهرباء والهاتف والعمران، مقدَّم ذكرها معظَّم شأنها، مرفوع فوق الشريعة قدرُها، وهذا وإن لم يكن بلسان المقال إلاَّ أنَّه في كل مرقوم لهذا المفتي لسانُ المقال.

ليس له مقال يقول فيه: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، ولا له مقال يقول فيه: جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم، ولا مقال يقرر حكم تولي الكفار والتحذير من إعانتهم على المسلمين.

بل ها هو قد سطر هذا المقال وهذه الفتوى في الدفاع عن الحكومة العراقية العميلة، والعملاء المختلفين، والجيش العراقي المرتد، ولم يكتب حرفًا في بيان حكم الله في هذه الحكومة العميلة المستأجرة، وفي هذا الجيش الكافر الموالي للكافرين، لم يقل للناس إنَّهم أولياء للكافرين أعداء للدين، ولم يقل لهم إنَّكم على خطأ وخطرٍ عظيم.

مع أنَّه [لا يجوز لأحد مجاملة طرف ما, والغمغمة في بيان ما هو الحق والواجب رعايةً لخاطر هذا أو ذاك] إلاَّ أنَّ حال الطواغيت المعاصرين والكفرة والمرتدين، والمقاتلين في سبيل الشياطين، لا يهمه بيانُه، ولا يضره كتمانه، نعوذ بالله من الكيل بمكيالين، وإعطاء أولياء الله أبخس الكيلين.

ثم يقول ذاكرًا بعض ما هو من حق الشعب العراقي من الأمور والوسائل السلمية:

ومن حقه أن يحظى بالدعوة الرشيدة إلى الله, وإلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة, والمجادلة بالتي هي أحسن, وأن يتفهم ما يجب عليه من طاعة الله والتزام أوامره, بهدوء واتزان, بعيدًا عن روح الإحراق, والتدمير التي لا يتفهمها الكثيرون.

وما أدري ما يعني بروح الإحراق والتدمير، أهو إحراق وتدمير الكافرين، فإن كان كذلك فالواجب على الشعب العراقي المسلم ليس مجرد فهمها، بل الواجب العمل بها، والواجب على الكاتب دعوتهم إليها وبيانها لهم، وإن كان المراد الإحراق والتدمير للمسلمين، فهذه لا يُقصد بها تفهيمهم ما يجب عليهم كما يتوهم، بل هي من قتالهم المشروع المأمور به، لدفع الكافرين ولتكون كلمة الله هي العليا على الناس أجمعين.

فما علاقة الإحراق والتدمير بالدعوة الرشيدة التي يدعو إليها؟ إلاَّ أن يكون قصد بذلك أنَّ على المجاهدين في العراق إغماد سيوفهم وترك القتال والجهاد في سبيل الله لينقشع من الجو دخان الحرائق وأصوات التفجير والتدمير، حتى تسير الدعوة التي يزعمها رشيدة، فإن كان ذلك فما معنى تأييده للجهاد اسميًّا في حق بعض المحتلين وأعوانهم؟!

أما روح الإحراق والتدمير، فقد والله فهمها جماهير شباب الأمة، وأحدثت بفضل الله انتفاضة جهاديَّة وصحوة عالميَّة، وعرفت الأمة تصديق الأقوال بالأفعال، وأحسَّت بالعزة التي كانت تسمع بها ولا تراها، وعرفت معاني الجهاد والقتال وعلو الإسلام والولاء والبراء.

فإن كانت روح الجهاد والقتال بالوسائل الحديثة ومنها الإحراق والتدمير لا يتفهمها الكثيرون، فإن روح الانبطاح والاستسلام والاستخذاء للعدو يفهمها الغالب الأعمّ، ولكن فهمها يعني الابتعاد مسافةً بعيدةً عن فهم الإسلام كما هو، وهذا حال كاتب الفتوى كما هو مشاهد والعياذ بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت