الصفحة 1027 من 1360

ولا يجوز لأحد مجاملة طرف ما, والغمغمة في بيان ما هو الحق والواجب رعايةً لخاطر هذا أو ذاك, أو لاعتقاد حسن قصده ونيته؛ فنحن لا نتهم المقاصد, ولا نشير إلى أحد, ولكننا نعلنها -بكل وضوح-: إن أعمال التفجير والتدمير والقتل العمياء لا تقدم للإسلام وأهله خيرًا قط؛ بل هي سبب لمزيد من العداوات, والتفرق والاختلاف والفتن داخل مجتمعات الإسلام.

لا يجوز لأحد المجاملة في الدين، وهذا لا شكَّ فيه، ولكن ما حكم مجاملة الأمريكان والغمغمة في بيان المثقفين الذي لم يتراجع عنه كاتب هذه الفتوى وهو من الموقعين، بل جادل عنه ودافع عنه واستخف بمن عارضه وأنكر عليه المنكر فيه.

وما حكم مجاملة الطواغيت بل الجدال عنهم في الحياة الدنيا؟! وما حكم مجاملة الرافضة والعلمانيين، والتهرب من الصدع ببيان ما هم عليه من شركيات وبدع ومنكرات؟! إنَّما المجاملة المذمومة عند كاتب هذه الفتوى أن تترك الإنكار على المجاهدين، ومن الخطأ لا شك ترك الإنكار على المجاهدين إلاَّ بالضوابط الشرعية المعروفة التي يسقط بها الإنكار، ولكنَّه يعني ترك إنكار الجهاد المشروع الذي لا شك فيه إلا عند أعمى البصيرة.

وإذا تساءلت أيها القارئ الكريم، عما يقصد الكاتب بأعمال التفجير والتدمير والقتل (العمياء) التي يذمها ويجعل سبب التفرق والفتن والاختلاف، فاعلم أنَّ كل العمليات الجهادية التي تكون في العراق من هذه الأعمال العمياء ما عدا الشيء الوحيد الذي استثناه في قوله:

الشيء الوحيد الذي نقره ونراه مشروعًا هو: قتل وقتال المحتلين العسكريين، ومن في حكمهم من أجهزة الاستخبارات الغربية التي تمهّد للمعتدي عدوانه.

أما ما عدا ذلك فهو عنده من الأعمال العمياء، وقوله هذا والله هو العمى، نسأل الله السلامة والعافية.

أكان قتال الصديق للمرتدين من العمى؟ إذ هو ليس قتالًا للمحتلين العسكريين، بل هو قتل العربي للعربي، والمضري للمضري والربعي للربعي، والتميمي للتميمي والحنفي للحنفي، في حين يرى هذا المفتي أن قتل العراقي للعراقي: فتنة واختلاف وفرقة وعمى وضلال وتوسع في الدماء، وما إلى ذلك من ضلالاته التي نثرها في هذه المقالة على قصرها!

أما الاندفاع بالتدمير, وتوسيع دائرة الاستهداف بظن أن هذا يصنع مستقبلًا للإسلام؛ فإنني أقول: هذا وَهْمٌ كبير لا حقيقة له, والله لا يصلح عمل المفسدين.

الله لا يصلح عمل المفسدين، ولكنَّ كاتب هذا المقال من الذين يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون، وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنَّما نحن مصلحون، وإن كان الحق والصلاح والهُدى مما يُعرف بالعقل والهوى، دون استناد إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد صدق المنافقون في دعواهم الإصلاح، وصدق كاتب المقال في دعواه الإصلاح، وإن كان الحق والصلاح والهدى مما لا يُعرف إلا بالشريعة فكاتب المقال من المفسدين وهو كذلك والله، وإلا فأين من كتاب الله وسنة نبيه وهدي أصحابه وآثار السلف، وأين من فقه الشريعة ومعرفة مقاصدها وكلياتها وفروعها وجزئياتها: تحريم قتل ابن الوطن ولو كان كافرًا، وتحريم قتل أعوان المشركين وداعمي الجيوش إن لم يكونوا عسكريين، وأين من الإسلام أن يكون معقد الولاء والبراء أو التحريم والعصمة للدماء على الجنسية واللسان واللون؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت