فهرس الكتاب
فإذا وصل الأمر برجلٍ أن يُحرِّم ما لا دليل على تحريمه، بل قد أمر الله عز وجل به وسنَّه نبيه صلى الله عليه وسلم واتبعه في أصحابه من بعده، ثم يُنكر على من يفعل ذلك الأمر ويشنِّع عليه ويذمه غاية الذم، ثم يأمر الناس جميعًا بالإنكار ويوجب على كل عاقلٍ أن يُنكر بأشدَّ ما يكون من الإنكار ويوجب الجهر بذلك ولا يكتفي بالإسرار، كل هذا على ما هو خلاف الأدلة وأقلّ أحواله أنَّه بلا دليل، إذا وصل الأمر برجلٍ إلى هذا فكبِّر عليه أربعًا ثمَّ سلِّم، هذا إن جازت الصلاة عليه!!
وأنا أعلم أن المقاومة في العراق تنتظم أطيافًا شتى من الإسلاميين, ومن غيرهم من أهل العراق, ومن بلاد الإسلام الأخرى, ويصعب التعرف على مسؤولية هذه الأعمال أو إسنادها لطرف ما ... , ولا نريد أن ننجرّ وراء الظنون والتنبؤات الإعلامية,
تهرَّب من نسبة العمليات إلى أصحابها الذين تبنَّوها وعُرفوا بها وعرفت عنهم وشهد بها القاصي والداني، لعلمه أنَّ أصحاب الفطر السوية والتوحيد الصحيح جميعهم لا يقبلون ممن هو مثله الطعن في أمثال أولئك الرجال، وحاول أن يُشكِّك في نسبتها إلى أصحابها، مع تواتر الأخبار بذلك، وخاصة ما كان من صنيع أبي مصعب الزرقاوي نصره الله وسدد رميه وجماعة التوحيد والجهاد، وإذا كان ذلك لا يثبت فلا حاجة إلى كتابته فتواه التي لن تكون ثابتةً عنه، ولو طعن في ثبوت القائم على تلك العمليات المباركات، لزمه الطعن في صحة وقوع تلك العمليات! وهذا ما لا سبيل إليه.
وليست المسألة ظنونًا وتنبؤات إلا إن أراد بعض العمليات، أما المنهج والسياسة العسكرية التي تستهدف ما لا يروق له من الأهداف، فأصحابها معروفون عند الناس عامة وعنده خاصَّة.
لكن يكفي بيان حكم هذه الأعمال وسوء عواقبها في الدنيا والآخرة, وما تجرّه من الثارات والإحن والعداوات, وأنها ليست نصرة للدين وأهله, ولا تقدمًا للدعوة؛ إلا إذا كانت تبعًا لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من حفظ المصالح وضبطها, ودفع المفاسد ودرئها, والحرص على حياة الناس, وعلاقاتهم, وأمنهم, وعلى المقاصد العظمى التي عليها مدار الدين والدنيا,
كيف يكون بيان حكم هذه العمليات بغير أدلَّة؟! بل بالاستحسانات الشخصية والأهواء الذاتية!! وبإمكان كلٍّ أن يكتب ما يهواه وما يراه، ويُخالف في الضوابط المذكورة والمدعاة، ولو كان صاحب هذه الفتوى أوروربيا لألحق الأوروبيين في جملة المستثنَينِ، وخصَّ القتال بالأمريكيين وحدهم دون غيرهم، ولما كان منتسبًا إلى العربية والإسلام حرم دماء جيوش الدول المسماة بالعربية والإسلامية كما يأتي في آخر المقال وكما هو مفهوم من المقال بطوله، وإلاَّ فكيف يحرّم دماء الشرطة العراقية ولا يحرِّم دماء الجيش البولندي مثلًا وكلاهما مع الأمريكان يدًا واحدةً، وضدَّ المجاهدين دون اختلافٍ بينهم، وما هو المعنى الذي وُجد في الجندي الأمريكي والبريطاني والغربي -الذين يبيح دماءهم بشروط- ولم يُوجد في الشرطي العراقي الذي يُقاتل معهم بل يُقاتل دونهم -وهو يحرم دماءهم! -؟!
والأدهى والأمرّ أن يُنسب ذلك إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ونزهه الله عن هذه الأكاذيب والافتراءات، ومركوب المفتي في ذلك اسم المصلحة والمفسدة التي جعلها دليلًا مستقلًا عن الكتاب والسنة، بل ما استدل في فتواه من الكتاب والسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه بحرفٍ! واستدل بما يراه مصلحةً انطلاقًا من عقله وهواه المجرد على كل دقيقٍ وجليلٍ من المسائل، بل من المسائل ما لا دليل عليه حتى من العقل بل حتى من هواه وإنَّما هو تخبطٌ محضٌ!! ودليل ذلك ما قدَّمناه من الجواب على ما افتراه.