الصفحة 1029 من 1360

وعدم الاسترسال وراء الدوافع الشخصية والذاتية, والظنون الساذجة التي لم تسندها التجارب, ولم تعززها الخبرات، ولم تسترشد بقراءة التاريخ, ومعرفة الواقع.

لو أراد أحد وصف ما فعله صاحب هذه الفتوى لما أوجد أليق به مما سطر في هذين السطرين!!

أما الدوافع الشخصية والذاتية، فكلمتان وصم بهما أناسًا الله بينه وبينهم، وهو والله أحق بهما، أم ترى أن المجاهدين الصادقين المشهود لهم بالصدق والعدالة والبأس والشجاعة وصحة المنهاج والعقيدة ينطلقون لقتل أنفسهم من دوافع ذاتية، وهو ينطلق لحفظ نفسه من دوافع تتعلق بالأمة وتهم عموم المسلمين؟!

إن كان منهما أحد في موقف تهمةٍ في نيته ومقصوده، أهو من يُقاتل الكافرين ويبذل نفسه في سبيل هذا الدين، أم من يدافع عن طوائف من الكافرين، وينهى عن قتالهم ويتكلم بما لا يجد عليه من الكافرين إلا الثناء والشكر والمحبة، فهذا يضع نفسه على فوهة المدفع، وهذا يضع المجاهدين فديةً بينه وبين الخطر ويقعد مع الخالفين!

وأما الخبرة والتجربة وقراءة التأريخ .. فأين هو من التجارب الجهادية؟ وهل له فيها من ناقةٍ أو جملٍ؟ وأين خبراته في هذا الباب؟! وفي أي الجبهات مارس القتال، وعرف التقدم والانسحاب، والمحاصرة والاقتحام، وأدار رحى الحرب وخاض عجاجها، حتَّى عرفَ مبدأها ونتاجها، وصحتها واعوجاجها، أين خطَّط للحروب أو خاضها؟! وأين أشرفَ عليها أو تابعها، اللهم إلا استماع الأخبار، ويسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلًا!!

أين قراءته للتأريخ ومعرفته للواقع إن كان إلى الآن لا يعرف مَن خلف تلك العمليات فيما يزعم!!

وأين قراءته للتأريخ، وهل مر به في التأريخ أحد يفعل فعلته ويُفتي بمثل فتواه، إلا عميلًا ظاهر العمالة؟! أمرَّ به في التأريخ أن يغزو العدو المسلمين أو القوم من غيرهم، ويلحق بالعدو طائفةٌ منهم تعلن موالاته ومناصرته وتُقاتل دونه، ثم تقعد الأمة عن قتال تلك الطائفة فلا يُقاتلها أحد كما يُريد هو ويطلب؟!!

فإن المرء يندفع أحيانًا وينسى أن الأطراف الأخرى تعمل كما يعمل, وتخطط وتستعد, وقد تكون لديها من القدرات ما ليس لديه.

هذه أضحوكةٌ .. فمتى كان المُقاتل يعمل إلا وهو يحسب حساب عدوه الذي يعمل، ومتى كان المُقاتل يُخطِّط إلا وهو يدرس مخططات عدوه وما يتوقع منها، ومتى كان يستعدّ إلاَّ وهو يعرف لمن يستعدّ ويحرص على معرفة ما يستعدُّ به عدوُّه؟!

أظنَّ أن المجاهدين يدخلون المعارك وهم يظنُّونها مقالًا في شبكة الإسلام اليوم لا يكلفه إلا مرور الأصابع على لوحة المفاتيح، ومرور الفكر على مزابل الأهواء الشخصية والظنون الحدسية، والتوهمات التي تنشأ من الخوف، ويسقيها الهلع، ويتعاهد بذرتها الطمع؟!

أويظنُّ أنَّه توقَّع استعداد (الأطراف الأُخرى) ولم يخطر ذلك ببالِ المُقاتلين الذين يُقاتلون تلك الأطراف الأُخرى!! ما أحسن ظنَّه بخبرته وتجربته!

أما يرى ذلك المُفتي أنَّ هذه الحجة بعينها من استعداد الأطراف الأخرى وتخطيطها وعملها، تكون حجَّة لكل من يدعو إلى العمالة والانبطاح وترك مقاومة المحتل بالكلية، وإلغاء الجهاد من أصله، أوليس العدو يعدُّ كما نُعدُّ ويُجاهد كما نُجاهد؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت