فهرس الكتاب
مقالات في فقه التغيير (7) الاستقطاب والمال (الحلقة الأخيرة) (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
يكتبها الشيخ: أبو بكر ناجي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
كفُّ بأسِ الذين كفروا وكفُّ شرورهم عن المسلمين مقصد شرعي وهدف هام ينبغي أن تسعى إليه الحركة المجاهدة بكل الوسائل المشروعة التي تبلغنا هذا الهدف، فإذا عملنا ليس فقط على كف بأس الناس عنَّا بل تحويل بأسهم وقوتهم لصالح المسلمين لتحققت من مقاصد الشرع ونلنا من الخير لأهل الإيمان أكثر من كف بأسهم فقط.
إذا سألنا أنفسنا لماذا يعمل القادة العسكريون في جيوش الكفر الأصلي أو جيوش الردة مع أعداء الله؟ ولماذا يعطي المُطاعون في الناس - وهم لهم قوة وسلطان بحكم أن لهم أتباع - الولاء لأنظمة الكفر والردة؟ سنجد أن الإجابة باختصار أنه يوجد جانب عقدي عند بعضهم، لكن هناك جوانب أخرى تزيد من دافعهم لإعطاء الولاء للأنظمة الكفرية، فأنظمة الكفر بما تملك من إمكانيات توفر لهم الراحة والأموال والرفاهية وكل مغريات الحياة، فعلى الرغم من ضعف عقيدة الكفر بصفة عامة أمام فطرة الإيمان المفطورة عليها النفس البشرية إلا أن الجوانب الأخرى التي ذكرناها تجعلهم في غفلة عن الآخرة واطمئنان للدنيا وزينتها.
وقد عالجنا في بعض المقالات السابقة بعض هذه الجوانب وبينا كيف أن الردع الذي يطال القادة والأتباع يدفعهم للتوقف عن نصرة العدو، فضلًا على أن حرارة معركة حامية الوطيس تحرك نفوسهم لاستبيان حقيقة الصراع، وكل ذلك يدفعهم إلى الانضمام لجانب أهل الحق ليموتوا على الإيمان بدلًا من أن يخسروا الدنيا والآخرة بموتهم في صف أهل الكفر والظلم أو على الأقل يفروا ويقفوا على الحياد انتظارًا لنتيجة المعركة، وبينا كذلك أن استهداف اقتصاد العدو سياسة شرعية للضغط على العدو ليعلم أن الاستمرار في حرب أهل الإيمان فيه خسارة الدنيا والمصالح التي هي غرضهم الباطن في الحقيقة، والمغلفة بالشعارات والمبادئ الكاذبة.
وفي هذه المقالة نتناول جانبًا آخر هامًا من جوانب استقطاب الناس لصف أهل الإيمان، وهو جانب الاستقطاب بالمال لتأليف قلوب الناس من الأعداء وممن هم على الحياد، فنعطيهم شيئًا من الدنيا لجذب ولائهم لنا.
ونقدم لهذا الجانب بمقدمة هامة:
أن الأوامر الشرعية جاءت لتجلب أكبر قدر ممكن من المصالح ودفع أكبر قدر ممكن من المفاسد، فهي لا تجلب كل المصالح في الغالب ولا تدفع كل المفاسد في الغالب، وذلك ليس لعجز الشارع - سبحانه وتعالى - عن الإتيان بأوامر تجلب كل المصالح وتدفع كل المفاسد ولكن لطبيعة النقص التي في البشر، وهذه الحياة بحكم أنها مخلوقة طبعت على النقص، كذلك إن الحكمة الإلهية ومقتضيات كمال أسمائه وصفاته تجعل من هذه المفاسد في الحقيقة جزء من عظمة وكمال حكمة الله سبحانه وتعالى في الأقدار التي قدرها.
كما قلنا أن بعض الناس يدخل في ولاء أهل الباطل للمال فقط مع علمه بالحق ولكن حب الدنيا وإيثارها لا يلحقه بأهل الإيمان، فعندما نوفر لهم هذا المرجح يدخلون في ولاء أهل الإيمان، فإذا دخلوا واختلطوا بأهل الإيمان وعايشوا أحوالهم ورأوا النور والكرامات والآيات وخالطت قلوبهم بشاشة الإيمان لانت قلوبهم للحق وعملوا لأجل الدين فقط وقدموا أرواحهم فداه، وصلى الله وسلم على نبينا الكريم الذي لم يترك لنا خيرًا في الدنيا ولا الآخرة إلا ودلنا عليه وعلى هذا سار صحابته قادة الدنيا من بعده.