فهرس الكتاب
فعلينا توجيه هؤلاء المؤلفة قلوبهم (أغلبهم سيكونوا من الشعوب والجنود المسحوقين اقتصاديًا وبعض الرتب الدنيا من الجيوش) أقول علينا توجيه هؤلاء بصفة خاصة والمؤمنين بصفة عامة أن ما عند الله خير وأبقى، فتذكير الجميع يتم في أجواء المعركة التي يتربون في أحداثها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) .
بعض هؤلاء المؤلفة قلوبهم بالمال قد يرتد بعد ذلك ويسبب بلاءً للمؤمنين لأنه التحق بهم بدون نية صالحة ولم يتربَّ على الطاعة من البداية ولكن تربى على العطايا والمادة والمصلحة وأعطى ولاءه من أجل المال، ومع كون هذا قد يحدث في منتصف الطريق عند هزة مثل وفاة الرسول أو القائد أو عند انتكاسة ونحو ذلك وقد يتسبب عن ذلك مفاسد عظيمة إلا أنه كما نخرج من المقدمة التي قدمنا بها أن إدخال هؤلاء في صف أهل الإيمان في البدايات (حال الضعف) يجلب من المصالح ما يفوق المفاسد العظيمة التي تقع بعد ذلك، كما أن درء تلك المفسدة وتحصيل المصلحة الكاملة لن يتحقق عقلًا وشرعًا - أو قل قدرًا وشرعًا -، فكما قلنا أن أوامر الشرع جاءت لدرء المفاسد وتقليلها وجلب المصالح وتكميلها، فأن يكون لدينا جميع القادة متربين على الإيمان فقط مصلحة كاملة لكنها لن تتحقق قدرًا لأن الجاهلية وأهلها لن يمكنوننا من ذلك، ومفسدة ارتداد البعض تحقق مصالح أخرى بعد ذلك، بأن تستكمل القاعدة الصلبة (قاعدة أهل الإيمان) تربيتها في دفع مصاعب جديدة من نوع جديد وتبصر المؤمنين بطبيعة الناس والحياة ومعرفة سبل الشيطان واتخاذ شهداء وتمييز الخبيث من الطيب ليجتبي الله من يحبهم ويحبونه الذين لا يخافون لومة لائم ويجزي الشاكرين، فهو حدث يُشكل وجدان المؤمن وقد بينا ذلك في قاعدة (التربية بالحدث) ، فضلا - وهو الأهم - عن تحقق مصلحةٍ من وراء الاستقطاب بالمال لن نستطع تحصيلها لو اتبعنا مثالية لا تناسب الظرف القدري المرافق لمرحلة البدايات وما يصاحبها من سنن، وهذه المصلحة هي أنه عند ارتداد هؤلاء تكون قد تكونت قواعد انطلاق للمؤمنين والسيطرة على أرض وبلاد كمأوى ومنطلق لتكوين دولة الإيمان ومرافق وأجهزة ومعدات ... الخ، ونستطيع بما تحصلنا عليه أن نعالج الردة الجديدة إذا حدثت - لا قدر الله - نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
لكن يجب أن تعرف عصابةُ الحق - من قواعدنا الصلبة ومن الشباب المجاهد - تفاصيلَ أحكام تأليف القلوب بالمال ومنها: أن من قاتل من أجل المال لا أجر أخروي له، ومن كانت نية المال أو الغنيمة تابعة وليست أصلية ونيته الأصلية أن تكون كلمة الله هي العليا نقص أجره بحيث أن من سلم وغنم عُجل له ثلثي أجره، ومن أريق دمه وتلف ماله أخذ أجره كاملا، وأن الأنصار تركوا ما حضروا له أنفسهم من المال في غزوة حنين من أجل تأليف قلوب الطلقاء، وليعلموا أنه ممكن لهم أن ينالوا المال في النهاية كما ناله الصحابة وأبناء الصحابة والتابعون إلا أن فتنته أشد من فتنة الفقر ونحن لا نملك ثبات الصحابة رضوان الله عليهم، فكما جاء في الحديث (ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تُفتح عليكم فتهلككم كما أهلكتهم .... )