فهرس الكتاب
ج - ومن صور عدم التجرد للدليل النظر إلى القوة واعتبارها دليلًا على صحة المنهج، واعتبار أن من معه أشراف الناس فإنه على الحق، فيجب الحذر من ذلك؛ فإن ضعفاء الناس في الغالب هم الذين يكونون على الحق،"فعن حارثة بن وهب الخزاعي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعَّف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل، جوَّاظ، مستكبر) رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما ذكر قصة أبي سفيان مع هرقل كان من أسئلة هرقل لأبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: "بل ضعفاؤهم" فقال هرقل:(وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل) رواه البخاري ومسلم.
د - أيضًا من الصور التي تخالف التجرد للدليل اعتبار الكثرة دليلًا على الحق، فيجب عدم النظر إليها، فإن الكثرة ليست دليلًا على سلامة المنهج، بل إن الكثرة غالبًا ما تكون مذمومة في القرآن كما قال الله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقال تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) وقال تعالى: (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) وجاء عند البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد" وهذا لفظ مسلم.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: (لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين)
سابعًا: من أسباب الثبات على الدين الفرار من الفتن، فإن هذا الزمان هو زمان الفرار بالدين من الفتن، فالفتن اليوم والله المستعان قد عمت وطَمَّت في كل مكان وزمان، فعليك أن تحذر من أماكن الفتن وتبتعد عنها لكي يسلم لك دينك، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: "نعم" فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن" قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر" فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها" فقلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: "نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" رواه مسلم، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي على الناس زمان، خير مال الرجل المسلم الغنم، يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفرُّ بدينه من الفتن" رواه البخاري.