فهرس الكتاب
سيرة يرويها عدد من إخوته على طريق الجهاد
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)
علي المعبدي الحربي، استشهد رحمه الله في عملية بدر الرياض المباركة في مجمع المحيا في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك عام أربعة وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة النبوية الشريفة.
نفر الشهيد مبكرًا إلى أرض البوسنة، وقاتل الصرب هناك وصابر صبر الأبطال، ولما انتهت المعارك هناك قفل راجعًا إلى الجزيرة فسجنه طواغيتها في سجن الرويس كما سجنوا غيره من المجاهدين بتهمة دفاعهم عن بلاد المسلمين وأعراضهم، ومكث رحمه الله في السجن سنتين ونصف، أمضى منها سنة وأربعة أشهر في الزنزانة الانفرادية.
بعد خروجه من السجن نفر إلى أرض أفغانستان الأبية، وشارك في الحرب الأخيرة ضد الأمريكان، وكان نعم الرجل؛ شجاعةً وأخلاقًا وطيب معشر، وتزوج من الأفغان ومكث هناك حتى صدرت الأوامر بالخروج من أفغانستان، فرجع إلى أرض الجزيرة مرة أخرى، وبدأ في التحريض على قتال الأمريكان المحتلين لها اتباعًا لأمر حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، وما زال فعله يصدق قوله حتى انتهى به الأمر إلى تلك النهاية المشرقة - نحسبه كذلك والله حسيبه - والتي شاهدها العالم أجمع.
وفي ما يلي عرض لسيرة شهيدنا رحمه الله يرويها إخوان له ممن جمعه بهم طريق الجهاد، بعضهم قد قضى نحبه ولحق به في ركب الشهداء إن شاء الله وبعضهم ما زال ينتظر، ضمهم المجلس فتسامروا يتذاكرون مآثره ومناقبه وهانحن نقدمها لكم شهاداتٍ مضيئة عن رجلٍ كتب رسالته بدمه لتصل إلى أمته.
يقول الشهيد فهد الدخيل القبلان رحمه الله: لم أتعرف على الأخ علي رحمه الله لفترة طويلة، ولكن برغم قصر المدة إلا أنها كشفت لي عن رجل صاحب عقل راجح، عندما يتكلم في مجلسٍ ما يفيد إخوانه، ولا يخلو كلامه من المواعظ والحكم والتذكير بقصر الدنيا وزوالها، وتذكير إخوانه بما يفعله أعداء الله بالمسلمين من انتهاكٍ للأعراض ومن سلبٍ للثروات ومن قتل الأبرياء ومن سجن المظلومين.
كان هذا الرجل إذا تكلم تأثرت كثيرًا من كلامه، وكنت كلما نظرت إليه في الفترة الأخيرة أقول: هذا الرجل عليه نور، فقد كان وجهه مسفرًا، ولم أكن أعرف بعد يعلم الله أنه مقبل على عملية استشهادية.
عرفته في أفغانستان كان مع الصغير كالأب ومع الكبير كالابن، يحترم ويقدر من يتكلم معه، وعندما تخالطه لفترة قليلة تشعر أنك تعرفه منذ زمن طويل، ووجدت صفات الشهداء مجتمعة فيه رحمه الله فقد كان لين الجانب، لا يمل من خدمة إخوانه ومن تفقُّد أحوالهم، كثير النصح والتوجيه لهم، وكان دائمًا ما يذكرهم بأن الفرج بإذن الله قريب وأن النصر إن شاء الله بدأ يلوح، وكان متفائلًا جدًا واثقًا بوعد الله بنصر الإسلام والمسلمين.
وكان رحمه الله كثير الابتسامة والبشاشة، طيب المعشر لا يُملُّ مجلسه، يمازح إخوانه ويدخل السرور عليهم، وغالبًا ما كان يُضمن ممازحته لإخوانه فائدةً أو قصةً يتحفهم بها يجدون فيها العظة والعبرة، وربما يضمنا به المجلس فيحادثنا ويضاحكنا ثم نفتقده فإذا هو قائم في مكان منزوٍ يصلي ويتلو آيات الله ويتضرع إليه، وقد رأيت ذلك منه رحمه الله عدة مرات، وكنت أعجب لذلك!! وأقول في نفسي: سبحان الله أهذا هو الذي كان قبل قليل من أكثر الجالسين بشاشة وضحكًا وممازحة؟