فهرس الكتاب
ثانيها: قصر نظر هؤلاء الطواغيت، وقلة خبرتهم وضعف همتهم، فبمجرد أن تمكنوا من قتل بعض القادة تصوروا أنهم بذلك قد قضوا على هذه الحركة المجاهدة في جزيرة العرب، ومن تأمل في تصريحهم هذا علم أن القوم أبعد ما يكونون عن معرفة العلوم العسكرية ودراسة تاريخ الحركات المناهضة للطغيان، ولَعَلِمَ بمدى جهلهم بحرب العصابات وأنها من أصعب الأمور التي تواجه الجيوش النظامية، ولا يفرح بالقضاء على قائدٍ فيها إلا من لا يرى أبعد من أنفه، إذ أن تغلغلها في أفئدة الأغلبية الفاعلة من أبناء المجتمع وهم الشباب يتعاظم ويزيد كلما قدمت الدماء تتلوها الدماء، هذا في مقاييس الحركات البشرية، أما في المقاييس الربانية فإن الدماء هي وقود المعركة، والجماجم قد أرخصها الشباب وجعلوا منها سلمًا ترقى عليه أمتهم، فهم كلما قدموا قربانًا إلى الله عز وجل كلما اقتربوا من الهدف بإذن ربهم.
ولنا في هذا مثال قريب، أخرج طواغيت الجزيرة قائمة تحوي ستة أسماء فقط وعمموها على مباحثهم، ثم تزايد العدد إلى تسعة عشر فارسًا مجاهدًا قائدًا، ثم لما قتل أكثرهم وظنوا أنهم قد تمكنوا من القضاء على الجهاد تصاعد العدد - المعلن عنه فقط - إلى ستة وعشرين، ثم بعد مدة تصاعد العدد إلى سبعة وخمسين اسمًا كانت وزارة الداخلية قد أزمعت نشرها في قائمة جديدة غير أن انتشار خبر هذه القائمة أدى إلى تأخير إصدارها.
إذًا هذا أمرٌ ملحوظ مشاهد، كلما قدمت الدماء وتقبلها الله كلما زاد القبول والتمكين في الأرض، نسأل الله أن يتقبل إخواننا ويرفعهم في أعالي مراتب الشهداء.
ثالثها: قال الله تعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) .
الله أكبر .. وما تغني الآيات والنذر عن قومٍ لا يؤمنون!!
من تأمل في هذه الآية وأمعن النظر فيها، علم أن الله عز وجل هو الناصر، وأن الفتح بيده وحده سبحانه وتعالى، وأنه لو كان بيد المجاهدين جميع ما أمكن من قوة مادية ولم يرد الله أن ينصرهم فوالله لن يخطوا قيد أنملة إلى الأمام، بل ربما تكون قوتهم وبالًا عليهم إذا أراد الله سبحانه.
إن معنى أن تتيقن وتؤمن بقلبك أن النصر من عند الله هو أن لا تحزن إذا قتل فلان أو فلان من أسود الأمة، وهل هذا القائد أو ذاك يعدلون شعرةً في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومع ذلك فقد قال الله عز وجل (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) .
إن هذا أمرٌ لا يفهمه القوم بمقاييسهم المادية النتنة، إنما يفهمه ويعقله من أتاه خبر حنين ومؤتة واليرموك وملاذ كرد، إنما يعقله العالمون الذين استيقنوا بأنه لو اجتمعت عليهم الأرض بما فيها ومن فيها تريد أن تضرهم بشيء لم يكتبه الله فلن تقدر على ذلك.
ورابعها: أن الطواغيت رغم قوتهم الظاهرية وتحصنهم بجنودهم وجيوشهم إلا أن الله عز وجل قد أذلهم وابتلاهم بخوفٍ شديد ينغّص عليهم حياتهم وملذاتهم، وقد قيل: الشجاع يموت مرة، أما الجبان فيموت ألف مرة.