الصفحة 1084 من 1360

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: "يا صباحاه"، فاجتمعت إليه قريش، قالوا: ما لَكَ؟ قال: "رأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يُمَسِّيكم أما كنتم تصدقوني؟ " قالوا: بلى، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تبًا لك! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) وروى أحمد في مسنده عن ربيعة الدِّيلِيِّ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يقول: "يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ويدخل في فجاجها والناس مُتَقَصِّفُونَ عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت يقول: "أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، إلا أَنَّ وَرَاءَهُ رجُلًا أحول وضيء الوجه ذا غديرتين يقول: إنه صَابِئ كاذِبٌ، فقلت: من هذا؟ قالوا محمد بن عبد الله وهو يذكر النبوة. قلت: من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبو لهب.

فدعوة التوحيد التي عليها منهاج النبوة من أعظم ما يغيظ أعداء الله وكذلك سائر العبادات ولذا(قالت قريش لابن الدَّغِنَة لما أجار أبا بكرٍ مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.

فقال ذلك ابن الدَّغِنَة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولايقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاءً، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش المشركين)رواه البخاري.

وهكذا لما أعلن أبو ذر إسلامه أغاظ الأعداء، عن ابن عباس أن أبا ذر لما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري"فقال: والذي نفسي بيده! لأَصْرُخَنَّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أوجعوه، وأتى العباس فأكب عليه قال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه) متفق عليه.

ومما يغيظ أعداء الله التقرب إلى الله بكثرة السجود فإن السجود قربة إلى الله كما قال تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأن السجود لله من أعظم العبادات ومن أعظم أسباب دخول الجنات ورفعة الدرجات. عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: "عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئة" قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته. فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. وعن ربيعة ابن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سلْ" فقلت: أسالك مرافقتك في الجنة. قال: "أَوْغَيْرَ ذلك؟ " قلت: هو ذاك قال: "فَأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود" رواهما مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت